الوضع العمراني لتارودانت (المحمدية) خلال عهد السعديين

 

            إذا كان عهد الدولة السعدية يشكل بالنسبة لتارودانت عصرا ذهبيا من الناحية الاقتصادية والسياسية والثقافية، فإنه ولاشك كان عهد "انتفاضة عمرانية", فبعد الخراب الذي عانت منه هذه المدينة أواخر دولة المرينيين، حيث اندثرت معظم مآثرها العمرانية، وامتدت يد الخراب إلى قصبتها السلطانية التي أشار إليها الحسن الوزان (ليون الإفريقي) بقوله"... وبها قصبة خربة من بناء أولئك السلاطين"، حتى أصبحت مع مطلع القرن العاشر الهجري تنافسها قرى تيدسي وتيوت البسيطة بضواحيها، فإننا نجدها (إي تارودانت) تعرف انطلاقة عمرانية غير مسبوقة مع بداية دولة الشرفاء السعديين.

          فمنذ خلافة محمد الشيخ المهدي بسوس، نيابة عن أبيه وأخيه، نجده يقدم على تجديد مدينة تارودانت، فشيد جامعها الأكبر والمدرسة القريبة منه، وبنى القصبة السلطانية داخلها فنسبت للمدينة إليه وسميت خلال هذا العصر بالمحمدية..

          ويظهر أن رغبة محمد الشيخ كانت ملحة في تعمير المحمدية وتجميلها فقد استعمل في ذلك كل ما لديه من إمكانيات حتى تكتمل لها كل المظاهر العمرانية التي كانت لمراكش و فاس.  وإذا كان من المنطقي أن  نصنف هذه الرغبة الملحة في التعمير لدى محمد الشيخ ضمن التوجه العام للسعديين، والذي كان يرمي إلى العناية الفائقة بإقليم السوس منبت دولتهم ومقر عصبتهم، فإن بإمكاننا أن نؤكد على أن الرجل كان قد أدرك أهمية المحمدية التاريخية، واجتماع القبائل السوسية إليها باعتبارها مقر خلفاء سلاطين الدول السابقة لعهده، كما أدرك أهمية موقعها وما سوف يترتب عن تعميرها من مكاسب إدراكا تاما : فهي تقع وسط سهل فسيح معطاء فلاحيا، محصن استراتيجيا، ومتحكم تجاريا في الطرق الغربية المؤدية إلى منابع الذهب في السودان الغربي.

          ونظرا لكل هذا فقد اهتم محمد الشيخ منذ البداية تارودانت، وكان يحرض السكان أثناء بناء السور قائلا: "حصنوا على أولادكم يا مشؤومين، تحريضا لهم على الاهتمام بحفظ ذريتهم فيها..." فأقام حولها سورا يبلغ محيطه حوالي سبع كيلومترات، تتخلله أبراج مربعة تمكن من مراقبة الأراضي الواقعة خارجه، ويتراوح سمكه ما بين مترين حتى خمسة أمتار في مناطق الأبراج، تخترقه خمسة أبواب كبرى هي: باب القصبة (باب السلسلة، باب الخميس، باب أولاد بونونة، باب تارغونت (باب الغزو)، وأخيرا باب الزركان. وقد أدى انعدام الحجارة إلى استعمال كمية كبيرة من الجير وخلطه بالتراب المكوك المستعمل عادة في بنايات المنطقة، ونظرا لكون محمد الشيخ لم يكن ليأمن جانب قبائل الأعراب المحيطة بقاعدته، فقد استعمل كميات كبيرة من الحصى في تدعيم أساس أسوارها، ويخبرنا التمنارتي -صاحب الفوائد الجمة- أنه: "... في سنة تسع وثلاثين وألف، حاصر بغاة من العرب والبرابر مدينة تارودانت ... فحاصروا قصبتها وحفروا لها أسرابا تحت أسوارها فوجدوا قاعدة أساسه الحصى لا تنال منه الفؤوس شيئا لوثاقته فقنطوا..." ولعل هذا سبب بقاء هذا السور شامخا رغم الفتن والحروب التي شهدتها هذه المدينة أواخر الدولة السعدية.

 ومن المآثر التي لا تزال شاهدة على الازدهار العمراني للمحمدية، الجامع الأكبر وهو بناء محمد المهدي، ويعد من أعظم جوامع المغرب. يمتد على مساحة 2500متر مربع، وتبلغ مساحة فنانه 1160 متر مربع كما يصل ارتفاع صومعته إلى 27 مترا وهي مزينة بالفسيفساء، ويحتوي هذا المسجد على نقوش وزخارف جبصية بديعة، وأخرى خشبية تغطي سقفه وهي في غاية الروعة والإتقان، وتعود إلى عهد أحمد المنصور. وكان هذا المسجد يحتوي على كراسي عديدة للتدريس لكنه لم يكن الوحيد، حيث كانت تنافسه جوامع أخرى كجامع القصبة السلطانية، وجامع سيدي أو سيدي وهو العتيق على ما يقال، إضافة إلى العديد من المساجد الصغرى والكتاتيب.

          وتقع القصبة السلطانية شرق المدينة وهي متينة التحصينات، كانت تحتوي على باب واحد ينفتح داخل أسوار المدينة(باب السدرة)، أما الباب الثاني (باب الحجر) فلم يفتح إلا في عهد الحماية.

          وكانت القصبة تضم دار المخزن: مقر خليفة السلطان، والجامع السلطاني، وكذا السجن الذي تحدث عنه العديد من التجار البرتغاليين والإنجليز الذين ألقي عليهم القبض بتهم مختلفة في ميناء أكادير، إضافة إلى الخزينة التي ظلت قائمة حتى وقت قريب حيث دمرتها مياه الأمطار وهي المعروفة ب "دار العشور".

          وكانتا المحمدية/تارودانت تحتوي أيضا على العديد من الفنادق التي كانت مقرا لنزول التجار، وأهمها "الديوانة" وهي عبارة عن مستودع لبضائع التجار الأوربيين مع مصرف مالي، وقد ظلت قائمة حتى وقت قريب وهي ما كان يعرف لدى سكان المدينة "بفندق الديوان".

          يتضح أيضا من بعض النوازل التي خلفها السكتاني (عيسى بن عبد الرحمان) في فتاويه الكبرى، أن الحمامات العمومية كانت كثيرة،. إلا أننا لا نعرف منها اليوم ما يرجع بناؤه إلى عهد السعديين باستثناء "الحمام الكبير" والذي يقال أن محمد الشيخ قد بناه في نفس الوقت الذي بني فيه الجامع الكبير، وحمام "سيدي وسيدي".

          كانت أسواق تارودانت على ما هي عليه أسواق المدن الإسلامية الكبرى- مقسمة حسب الحرف، ويشير السكتاني إلى كون المحمدية كانت تضم سوقين اثنين هما: "السوق القديم" و"السوق الكبير" وهما معا في ملك الأحباس ولا يزال السوق الكبير يعرف بهذا الاسم حتى اليوم، كما أنه لا يزال قلب هذه المدينة النابض.

          لقد عرفت أملاك الأحباس عموما ازدهارا كبيرا في هذا العهد، فكانت تدر مبالغ مالية كبيرة يصرف جزء منها في تغطية نفقات بعض الخدمات الإجتماعية كالتعليم مثلا. وقد بلغ مستفاد أحباس المحمدية درجة من الوفرة جعلت الأمير يحيى الحاجي يسعى إلى توظيفها لأداء أجور جنده مما جعله يدخل في صراع مع تلميذه وقاضيه على المدينة آنذاك: أبى زيد عبد الرحمان التمنارتي.

          أما الأحياء السكنية فقد كانت تتكون من دور متزاحمة تترك فيما بينها أزقة ودروبا ضيقة وكانت الدور مبنية من التراب المدكوك- وذلك لانعدام الحجارة -تتوسطها أفنية تبلغ في الغالب سبعين دراعا، وذلك حرصا على ضمان تهوية المنازل حسب إرشادات السلطان محمد الشيخ، و لا يزال سكان الأحياء القديمة يستعملون لفظة: " سبعين ذراعا محمدية" حتى الآن. وإذا كانت المحمدية تعاني من مشكلة التخلص من مياه الأمطار لكون الأزقة غير معبدة مما يجعلها كثيرة الأوحال في الفصل الممطر- فإنها لم تكن تعاني من مشكل التزود بالمياه العذبة، وذلك لكون نهر سوس كان يسقي المدينة بواسطة قنوات ونواعير تجدب الماء لري الحقول والبساتين داخلها. كما أن ساقيتي "تافلاكت" "وتاملالت" كانتا تخترقان المدينة فتزودانها دائما بالمياه العذبة. هذا بالإضافة إلى العديد من السقايات التي أقامها السعديون والتي لم يندثر جلها إلا منذ وقت قريب جدا كسقاية الجامع الكبير، وسقاية فرق الأحباب، وسقاية سيدي وسيدي، وسقاية القصبة التي لا تزال وغيرها.

          و فضلا عن كل هذا فان المياه الجوفية لم تكن بعيدة، ولهذا نجد الدور تتوفر كل منها على بئرها الخاص، وهذا ما جعل السكان في راحة من هذا المشكل الذي كانت تعاني منه العديد من المدن القديمة.

كانت المحمدية/تارودانت تضم عددا كبيرا من القصور والرياضات التي اندثر جلها، ولم نعد نعلم عنها أي شيء إلى درجة أننا اليوم نجهل حتى مواقعها، بل ومواقع أحياء بكاملها أتى عليها الخراب: كحومة عيسى بن القاضي التي يشير إليها كل من السكتاني والتمنارتي، وكذا "الربع" وهو أحد أحواز المدينة وردت بصدده إشارات عديدة خصوصا عند التمنارتي ولا نعلم اليوم موقعه. وسنرجع بعد قليل للحديث عن أسباب هذا الاندثار العمراني.

          إنه لمن حسن الحظ أن ترك لنا صاحب "مناهل الصفا" الوزير الكاتب أبو فارس عبد العزيز الفشتالي وصفا حافلا لهذه المدينة أيام المنصور حيث قال: " وإلا فالمحمدية التي هي من مشيدات الإمام والد مولانا المنصور... ذات القصور المشيدة، و الأواوين الموطدة، والرياض المفوفة، والمساجد المزخرفة، والمآذن المقرطة بلآلئ النجوم المشنفة، إلى معاصر السكر الجاثمة حواليها جثوم أهرام مصر .." ويورد في نهاية هذا الوصف عبارات تدل على استمرار الرغبة في تعمير تارودانت، حتى تصبح في مكانة مراكش وفاس لدى السلطان أحمد المنصور بدوره فقد كان الفشتالي وزيره فلا عجب إذ يعبر نيابة عنه قائلا :"... لا يطير تحت جناحها البلد الجديد من فاس الذي هو عند بني مرين مشيديه آية خارقة، ولا قصبة مراكش التي هي عند الموحدين من قبيل الإعجاز، بل إذا ذكرت المحمدية لف كل منهما رأسه استحياء وحسبي شهادة العيان."

إن ما ينبغي أن نؤكده في هذا المقام هو أن الأوضاع العمرانية بالمحمدية/تارودانت لم تكن مستقرة، فهي تنقلب بتقلب الأحوال السياسية العامة وتأثيرها على الأوضاع الأمنية داخل المدينة. وفي هذا المجال تسعفنا بعض الفتاوى المتفرقة والتي حوتها "فتاوى السكتاني الكبرى" حيث ترصد لنا عمليات بناء وهدم مستمرة ففي بعض الأحيان يتم اجتثاث البحائر ثم بناؤها وعمارتها، وفي أحيان أخرى تهدم الدور وتصير بقعها بحائر وبقعا للاستغلال الزراعي. غير أن وفاة السلطان المنصور كونت حدا فاصلا لعهد ازدهار العمران بهذه المدينة، حيث أنها ستدخل في دوامة من الاندثار والخراب لأسباب متداخلة طبيعية، سياسية، اقتصادية واجتماعية نلخصها فيما يلي:

 فبالنسبة للعوامل الطبيعية سبقت الإشارة إلى انعدام الحجارة بالمنطقة مما جعل السكان يقتصرون في عمليات البناء على التراب المدكوك الذي لا يستطيع مقاومة الظروف والكوارث الطبيعية المفاجئة : ففي سنة1033هـ كان فيضان الوادي الواعر المار بمحاذاة سور المدينة، فأحدث خرقا في السور بين المحايطة وسور القصبة ".. فهدم معظم أسواقها ودورها ومساجدها وهلك بذلك من الأموال والأمتعة والأقوات ما لا يحظى وسلم الله الأنفس."

          وقد كان لوفاة المنصور وما أعقبها من اضطرابات،  وصراعات على السلطة بين أبنائه من جهة، ونتيجة لتدخل قوى محلية الحاحيين السملاليين من جهة أخرى- نتائج وخيمة على العمران بتارودانت، فقد عاشت لمدة طويلة تحت وطأة الصراع الحاحي السملالي، ووقع التعدي على أملاك الناس وممتلكات الأحباس، وتحت رحمة الاضطرابات والفتن التي أتت على رونقها ودمرت معالمها، وحولت معظم أحيائها إلى أنقاض خربة، "كحومة الزرقان" التي قال عنها السكتاني" وخربت الحومة ولا عمارة  ترجى لها الآن ويصف لنا التمنارتي بدوره هذه الحالة المزرية فيقول :"... فتمخض شيطان الغواية في أطوارها وأحباسها، وأجلب بخيله ورجله على أطباق أناسها، حتى عطلت فيها صوامع يؤذن فيها بكرة وأصيلا، وهدمت بها مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا...." و قد أدى تتابع الوباء على المدينة لمدة عشر سنوات إلى هروب الناس منها فخلت جوامعها وأسواقها وتعطلت مرافقها الدينية والدنيوية.

          وإذا أضفنا إلى كل هذا ما ستعرفه المدينة من حروب طاحنة بين الحاحيين والسملاليين، وما ستتعرض له من جراء غارات القبائل المجاورة: كالحصار الذي تعرضت له سنة 1039هـ من طرف قبائل العرب والبرابرة، الذين استباحوها إلا قصبتها نظرا لمناعتها، وكذلك ما سيعقب كل هذا من تضرر اقتصادها نتيجة تدمير معاصرها السكرية، وانتقال زعامة القطر السوسي إلى إليغ التي ستستقطب خطوط التجارة الصحراوية، فإننا سنتمكن لا محالة من إدراك أسباب هذا الطمس الذي تعرضت له معالم هذه المدينة حتى لم يبق منها إلا عينات قليلة لا يمكن بحال من الأحوال أن نكون من خلالها صورة شاملة من عمران المحمدية/تارودانت خلال هذه الفترة الحاسمة من تاريخها، فترة الدولة السعدية.