زاوية آل سعيد بن عبد المنعم ومكانة الأسرة المنانية الحاحية.

 

نور الدين صادق

تارودانت.

مقدمة:

 تعتبر الأسرة المنانية الحاحية من أعرق الأسر العلمية السوسية، ومن أكثرها دينامية ونشاطا على مختلف المستويات العلمية والصوفية وكذا السياسية، وذلك طيلة القرن السادس عشر وخلال النصف الأول من السابع عشر. وعلى الرغم من الأدوار الطلائعية التي لعبتها زاويتا المنانيين- بحاحة أولا ثم بإداوزداغ-في قيادة أعمال الجهاد، ونشر الطريقة الشاذلية الجزولية، وترسيخ الثقافة العربية الإسلامية، فإن صدى جُلِّ هذه الأدوار ظل باهتا في المصادر التاريخية، لأسباب كثيرة يتعلق بعضها بموقف الزاوية من المخزن السعدي وعلاقاتها معه.

وسنحاول – في عجالة -أن نلقي بعضا من الأضواء على بعض من هذه الأدوار خاصة خلال القرن السادس عشر الميلادي.

1-               التأسيس وبداية الانتقال إلى الدور السياسي:

1-1   أصل الأسرة المنانية الحاحية:

إن أول المعروفين من سلسلة نسب الأسرة المنانية الحاحية هو داود بن خالد، فهو أول من استقر منهم بحاحة، في قبيلة إذا وبوزيا على السفح الشمالي الغربي للأطلس الكبير الغربي.1 وقد غلّب العلامة المختار السوسي أن هذا الاستقرار يعود إلى نحو القرن (6هـ/12م)،2 وهو تغليب مَبْلَغُ مُعتَمَدِه الظَّن، نظرا لخلو كتب التراجم من أخبار داود بن خالد، وما جمعه منها السوسي مصدره ما يرويه أفراد الأسرة عن جدهم هذا. لكن تطبيق معيار ابن خلدون (ثلاثة أجيال في القرن) على سلسلة نسب الحاحيين، يدفعنا إلى إعادة النظر في هذا التاريخ، حيث نرجح أن يكون داود بن خالد من أهل القرن (7هـ/13م)، حتى يصبح الفارق الزمني بينه وبين حفيده الخامس سعيد بن عبد المنعم (توفي: 953هـ/1547م) مقبولا منطقيا. وإليه تنسب قرية أيت داود حيث تأسست فيما بعد زاوية الأسرة التي ما تزال عامرة إلى الآن. وقد نسب أهله إلى مستقرهم هذا (حاحة) فعرفوا بالحاحيين. أما لقب المنانيين -بتشديد النون الأولى- فيعود إلى اعتقاد الأسرة أن جدها داود، وفد على حاحة من منى بالحجاز، ومن ثم عرف بلقبه المزدوج (المناني/الحاحي) الذي يحمله عقبه إلى الآن.

تنتسب الأسرة المنانية الحاحية إلى فرع الشرفاء الأدارسة، وتربط نسبها بأحمد بن إدريس (الأصغر) بن إدريس (الأكبر). لكن عمود نسبها يقع فيه خلط واضطراب بمجرد الابتعاد عن جدها داود المذكور، حيث وقفنا على ثلاث شجرات لنسب المنانيين تختلف كل منها عن الأخرى.3 وقد سبق للمختار السوسي أن لاحظ، بهذا الخصوص، أن القول بورود داود بن خالد من منى: "يعكر عليه نسبه -كما ترى- إلى أحمد بن إدريس". ويبدو أن نسب الأسرة لم يطرح للنقاش إلا مع ركوب الشيخ يحيى -وهو الحفيد السابع لداود بن خالد- أهوال بحر السياسة المتلاطم الأمواج، حيث عمد خصومه السياسيون إلى الطعن في صحة هذا النسب. وعلى الخصوص منهم ابن أبي محلي. 4

وإذا كانت دوافع ابن أبي محلي من وراء هذا النقد واضحة ومفهومة، فإننا لا نرمي من وراء إثارتنا لهذا الموضوع إلى إثبات أو نفي صحة نسب الأسرة المنانية الحاحية، بقدر ما نسعى إلى تسليط الضوء على مدى الأهمية والحساسية التي كان يثيرها النسب الشريف، خلال هذه المرحلة من تاريخ المغرب، نظرا للمكانة الجديدة التي أصبح يحتلها داخل الحقل السياسي/الديني، حيث سيشكل أحد المرتكزات المعنوية لثورة الشيخ يحيى الحاحي فيما بعد.

 

... سعيد بن عبد النعيم بن الحسن بن إبراهيم بن عبد الملك بن الحسن بن داود بن خالد بن يحيى بن زكرياء بن منصور بن عبد المولى بن العافية بن محمد بن احمد بن إدريس (الأصغر) بن إدريس (الأكبر) بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. (1)

   

... سعيد بن عبد النعيم بن الحسن بن إبراهيم بن عبد الملك بن الحسن بن داود بن عيسى بن يعقوب بن موسى بن عبد السلام بن وكاك بن بلال بن يمور بن منزال بن بودلال بن تومارت بن منى بن يرتضى (أبو كثير) بن نصر بن منصور بن يعقوب بن علي بن عبد الرحمن بن حمزة بن نوح بن عبد الله بن أحمد (كثير) بن إدريس بن إدريس بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. (2)

  

... سعيد بن عبد المنعم بن الحسن بن إبراهيم بن عبد الملك بن الحسن بن داود بن خالد بن زكرياء بن أحمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن الحسن بن منصور بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن أبي العافية بن محمد بن أحمد بن إدريس بن إدريس بن عبد الله (الكامل) بن الحسن (السبط) بن الحسن (المثنى) بن علي بن أبي طالب. (3)

  

( 1) و (2): المختار السوسي، المعسول، ج: 19، ص: 70.

( 3) إذ إبراهيم إبراهيم التامري، المتعة والراحة، ج: 1، ص: 105.

 

ثلاث شجرات لأنساب آل سعيد بن عبد المنعم الحاحي

 ويبدو عليها الاضطراب انطلاقا من داود

الذي يمثل الحلقة السابعة في السلسلة.

  1-2   متى كان تأسيس الزاوية المنانية بحاحة ؟

ترجع السيدة مونيي تأسيس زاوية المنانيين إلى جدهم داود بن خالد الذي أسس مع نهاية القرن (9هـ/15م) زاويته المتفرعة عن زاوية القطب الصوفي محمد بن سليمان الجزولي (ت: 870هـ/1465م)5.

لكن، ورغم المجهود الكبير الذي بذلته، يبدو أن هذه الباحثة وقعت في خلط كبير أثناء ترتيبها للأحداث والشخصيات. ولعل سبب ذلك يعود إلى عدم اطلاعها على عمود نسب المنانيين: فهي تجعل سيدي سعيد بن عبد المنعم حفيدا مباشرا لداود بن خالد،6 في حين أنه حفيده السادس، مع فارق زمني بين الرجلين يربو على قرنين ونصف. وإذا كانت السيدة مونيي قد لاحظت-قبل ذلك- أن أية زاوية لم يرد ذكرها بالمغرب الجنوبي قبل عهد الإمام الجزولي (ق: 9هـ/15م)؛ فكيف يمكن إذن لداود بن خالد أن يكون مؤسسا لزاوية الأسرة وهو من أهل القرن (7هـ/13م) ؟ وكيف يمكن لزاويته أن تتفرع عن زاوية الإمام الجزولي التي لم تتأسس إلا بعد قرنين من هذا التاريخ ؟

تطالعنا أخبار أحد أعلام هذه الأسرة: عبد النعيم بن الحسن، ويقال له أيضا عبد المنعم، من أهل القرن (9هـ/15م)، وهو أب سعيد بن عبد المنعم شيخ الأسرة الذائع الصيت. لكن المصادر تتحدث عنه كعالم جليل يلجأ إليه للتحكيم في القضايا والنزاعات في حاحة، في حين لا تورد أية إشارة عن تصوفه أو ترأسه لزاوية ما. 7ومن تم نميل إلى دحض كل الآراء التي تقول بتأسيس زاوية المنانيين قبل القرن (10هـ/16م)، أو تجعل هذا التأسيس على يد فرد آخر من الأسرة غير سعيد بن عبد المنعم.

 

1-3   سعيد بن عبد المنعم مؤسس زاوية المنانين بحاحة:

يعتبر سعيد بن عبد المنعم أحد أشهر أعلام المغرب في القرن: (10هـ/16م)، كان عالما جليلا وقطبا صوفيا مشهودا له بالولاية. أجمع كل الذين ترجموا له على تفرده، وعلو مقامه الديني والعلمي والصوفي. وصفه ابن عسكر بـ: "شيخ السنة ومحيي الديانة". ثم أضاف: "كان من أكابر المشايخ وأشهرهم علما وعملا، وله في المعاملات الشأن الذي لا يدرك... وكان من شدة الدين وقوة الإرادة بالمقام الذي لا ثاني له".8

وقال فيه التمنارتي: "شيخ السنة وإمام الأمة أبو عثمان سعيد بن عبد المنعم المناني شيخ الحقيقة وإمام الطريقة، أحيا بقطره في عصره من السنة رسوما دارسة، وأظهر منها أعلاما طامسة... وإنتعش به أمر الإسلام وعقائد الإيمان." 9

كما نعته الإفراني بـ: "واحد وقته علما ودينا، وهو الذي أحيى الله به السنة بسوس، وإنتعش به الإسلام فيه." 10

شهد لسعيد بن عبد المنعم بهذه المكانة معاصروه من أقطاب العلم والتصوف، كالإمام أبي محمد عبد الله الهبطي 11 الذي نقل عنه تلميذه ابن عسكر قوله: "ما رأيت فيمن أدركت من المشايخ من كان على الجادة، وجاء بالتربية النبوية على أصلها المعروف من سيرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، مع أصحابه إلا   رجلين: الشيخ سعيد بن عبد المنعم في حاحة، والشيخ أحمد بن القاضي بجبل زواوة." 12وهي الشهادة التي أكدها القطب أحمد بن موسى السملالي بقوله: "ما ولدت النساء قبله مثله، ولا تلد النساء بعده مثله، وإني لأتمنى أن أكون بجواره فأخدمه بكل جوارحي، حتى بأجفاني". 13 وتكفي مثل هذه الشهادات لتثبت للرجل المكانة اللامعة التي تبوأها بين علماء وصوفية عصره، بل لتثبت له تفرده وعلو شأنه على من عاصره منهم.

تخرج سعيد بن عبد المنعم على يد مشايخ لم نقف على أغلبهم، إلا أن أهم هؤلاء، ومعتمده في طريقته الصوفية هو الشيخ أبو فارس عبد العزيز التباع. 14ومعلوم أن هذا الأخير أخذ مباشرة عن القطب محمد بن سليمان الجزولي، وهو صاحب الإراثة من بعده.

 من خلال هذه التلمذة تتأكد متانة سند سعيد بن عبد المنعم في الطريقة الشاذلية الجزولية، حيث لا يفصله عن محييها ومجددها: الإمام الجزولي، غير شيخه عبد العزيز التباع. وهو ما يجعل منه أحد أقطاب هذه الطريقة خلال القرن (10هـ/16م).

وحتى إن لم نقف على تاريخ مضبوط لتأسيس زاوية حاحة، فيبدو أن هذا التأسيس تم مع مطلع العقد الأول من القرن: (9هـ/16م)، أي قبل بيعة السعديين التي تعود إلى (915هـ/1509م). حيث كان سعيد بن عبد المنعم خلال هذا التاريخ الأخير قد اشتهر بتزعمه لأعمال الجهاد، وهو أمر لم يتم إلا بعد تأسيس الزاوية والشروع في تربية المريدين. وإذا كان بعض الباحثين يرجعون تاريخ تأسيس هذه الزاوية إلى منتصف القرن 16م 15 فإن مرد ذلك إلى الخلط بين زاوية المنانيين الأولى بحاحة، والثانية بإداوزداغ، مع أن الفارق الزمني بين تأسيس الزاويتين يبلغ حوالي نصف قرن.

 

1-4   بداية الدور السياسي للزاوية.

يؤكد ابن عسكر أن تشدد أصحاب سعيد بن عبد المنعم في معاملاتهم، كان سببا في سوء ظنون الملوك السعديين بهم، وبأولاد الشيخ من بعده، "خوفا من وثوبهم على الملك". 16 لكن هل يكفي تشبث أتباع الشيخ بالسنة وتشددهم في تطبيقها، ليثير كل رد الفعل العنيف هذا، من سلاطين السعديين، والذي وصل إلى حد "مجاهرتهم بالقتل والتشديد17 وهل في التشبث بالسنة ما يؤكد طموحهم إلى الوثوب على الملك ؟ ثم لماذا يصر ابن عسكر على التأكيد بأنه "لم يقع في حياة الشيخ شيء من ذلك" ؟

لاحظ (ديل أيكلمان)، وقبله (ليفي بروفنصال)، أن المصادر الإخبارية التقليدية لا تركز في ترجمتها للصلحاء إلا على جانب تدينهم وورعهم، بينما لا تشير إلا بطرق ملتوية إلى أنشطتهم السياسية والدنيوية. وقد أرجع سبب ذلك إلى ما كان يمثله الصلحاء من تهديد قوي لسلطة ونفوذ المخزن، وكذا إلى ارتباط المؤرخين التقليديين ارتباطا وثيقا بهذا المخزن، خاصة فيما يتعلق بمعاشهم، مما يدفعهم إلى السكوت عن هذا الموضوع برمته. 18

ويبدو أن هذا ما حدث بالفعل مع سعيد بن عبد المنعم، حيث أجمع مترجموه على زهده وورعه، في حين سكتوا عن نشاطه الجهادي والسياسي المكثف. هذا النشاط الذي تنحصر معلوماتنا عنه في بعض الإشارات المتناثرة التي تسربت، ربما عن غير قصد، إلى هذه الكتابات مثل ما رأيناه مع ابن عسكر. ولولا وقوف المختار السوسي على رسالة أحمد بن عبد الرحمان التزركيني إلى سعيد بن عبد المنعم وإثباته لها، 19 لظل هذا الجانب من حياة الشيخ مغيبا في مصادرنا رغم أهميته القصوى في فهم التطورات التي عرفتها علاقات زاويته بالمخزن خلال الفترات اللاحقة.

تمتع سعيد بن عبد المنعم بنفوذ روحي كبير في أوساط قبائل حاحة وعبدة، التي التفت حوله ليقود جهادها ضد المسيحيين المحتلين لشواطئ تلك المنطقة، 20 بعدما استفحل أمر هؤلاء، وتحالفوا مع عرب السهول بقيادة يحيى بن تاعفوفت، وشنوا غاراتهم على مدن وقرى شمال حاحة حتى خربت الواحدة تلو الأخرى، بل وصلت غاراتهم حتى أبواب مراكش. 21فأصبح الشيخ سعيد بن عبد المنعم في طليعة المجاهدين الذين يناهضون البرتغاليين وحلفاءهم من البدو على امتداد بلاد حاحة وعبدة، وحينئذ تطلع إلى الرياسة قبل أن يستحكم الأمر للسعديين.21

بطبيعة الحال لا نجد، في كتب التاريخ، تفصيلا لأحداث هذه المرحلة ولا لنشاط سعيد بن عبد المنعم خلالها. وكل ما تبقى لنا من ملامحها: ما تضمنته رسالة صديقه الشيخ أحمد بن عبد الرحمان التزركيني 22 يحذره من مغبة تفريق الكلمة بعد أن أخذت تلتئم حول دولة السعديين الناشئة. ومما ورد في هذه الرسالة:

"بلغنا عنكم أنكم عازمون على مخالفة الشرع العزيز، وعلى الرمي بأديانكم وأبدانكم وأرواحكم وعقولكم وأولادكم وأموالكم وأحبابكم وأتباعكم وأزواجكم في بحور الهوى والردى، ولا سفينة ! وعلى التورط في مهواة الذنوب تتشبثون فيها بالصغيرة والكبيرة. وذلك طلب الملك والولاية، ومنازعة أرباب الدولة بالقتل والمشاتمة. هاه ! هاه  !هاه ! كلا لا ! كلا لا ! كلا لا!

أين عقولكم الراجحة ؟ أين علومكم الراسخة ؟ أين بصائركم الثاقبة ؟ أين عهودكم للسادة السالفة ؟ انتهوا خير لكم ! انتهوا خير لكم ! وإني لكم والله من الناصحين".23

لم نقف على تاريخ هذه الرسالة، لكن يبدو من سياقها أنها تعود إلى الفترة الممتدة ما بين مبايعة القبائل السوسية محمد بن عبد الرحمان (القائم بأمر الله) (915هـ/1509م)، وانتقاله للاستقرار بحاحة (922هـ/1516م). ونرجح كثيرا أن يعود تاريخ كتابتها إلى سنة (921هـ/1515م).  والرسالة، كما هو واضح، تتضمن تحذيرا شديد اللهجة إلى سعيد بن عبد المنعم من "طلب الملك والولاية ومنازعة أرباب الدولة." ونحن نستبعد أن يكون الدافع من وراء كتابتها، كما هو شائع، مجرد الصداقة وحميمية العلاقة بين الرجلين، أو حتى مجرد خوف عبد الرحمان التزركيني على دين، وأولاد، وأتباع... صديقه، كما يصرح بذلك. بل قد يكون التزركيني ناطقا رسميا معبرا عن إجماع شيوخ متصوفة جنوب سوس، الشاذليين الجز وليين، الذين كانوا وراء بيعة القبائل السوسية لمحمد بن عبد الرحمان شريف درعة، من أمثال: الشيخ عبد الله بن عمر المضغري، 24 الشيخ بركات بن محمد التدسي، 25 والشيخ محمد بن مبارك الأقاوي.26 ولا ينبغي أن نغيب، في هذا الباب، علاقات التزركيني بالسعديين، فقد وفد على السلطان محمد الشيخ أثناء مقامه بسوس، وكان هذا الأخير يثني في حديثه على التزركيني بل يبدو أن العلاقة توطدت بين الرجلين حتى كان التزركيني يتجرأ على مناقشة السلطان ونصحه، وهو ما يفهم من قولة السلطان المشهورة: "سيدي أحمد بن عبد الرحمن يخاف الله ولا يخافنا".27

تكمن أهمية رسالة التزركيني في تفردها بإخبارنا عن طموحات سعيد بن عبد المنعم السياسية، وتوقه إلى "الملك والولاية"، وكيف لا وقد توفرت فيه مختلف الشروط التي قد تمكنه من ذلك ؟ فهو الصوفي الورع الزاهد الذي شهد له معاصروه بالصلاح، وهو الفقيه العالم بشهادة شيخه عبد العزيز التباع الذي كان يقول لأصحابه "سعيد فقيهكم".28 وقد رأينا أن كل مترجميه توقفوا عند شدة شكيمته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويزيد تزعمه للجهاد ضد البرتغاليين في تدعيم هذه المكانة، كما يوفر له التفاف قبائل حاحة وعبدة حوله قاعدة بشرية قد تمكنه من خوض التجربة، إن صحت رغبته في هذا الأمر. لكن مع ذلك تظل قراءتنا لهذه الوثيقة نسبية ما دمنا لم نطلع على جواب سعيد بن عبد المنعم على هذه الرسالة، حتى نتمكن من الوقوف على رأيه في الموضوع: أهو طموح فعلي في الملك الذي توفرت فيه مؤهلاته ؟ أم أنه مجرد تخمين من متصوفة سوس، الذين حاولوا تركيز قيادة الجهاد في يد محمد بن عبد الرحمن (القائم بأمر الله)، واستباق للأحداث تحسبا لما قد يقع لو صح هذا التخمين ؟

 

2- الانتقال إلى إداوزداع وتأسيس زاوية تافيلالت:

 

1-1 عبد الله بن سعيد مؤسس زاوية تافيلالت:

أجمع كل الذين ترجموا لعبد الله بن سعيد بن عبد المنعم على سعة علمه، وخشوعه، وورعه، وتقواه، وعلى ملازمته للسنة وانكبابه على العلم والتدريس، وخاصة من لقيه منهم.29 أورد في حقه ابن عسكر: "فرأيت عقلا وافرا وعلما بارعا وزهدا بالغا"30 كما روى عن شيخهما عبد الله الهبطي    قوله: "ما رأيت قط مثل فهم هذا الرجل وإصابة رأيه في العلم".31

طارت شهرة الشيخ عبد الله بن سعيد بالنسك، والنظر الدقيق والاحتياط البالغ في طريق العبادة، "فقصده الواردون من جميع آفاق المغرب، وانتفعوا به في أمر دينهم32 رغم أنه احتجب عن الناس وعاش دهره مستخفيا حتى عمن يقصده للزيارة باعتقاد تام ! كما اشتهر أيضا بحرصه الشديد على التعليم، إلى درجة اعتقد معها بعض مترجميه أن بركته ارتبطت بهذا المجال:"ومن عظيم بركته أنه لا يأتيه أحد - وإن ملكت العجمة لسانه، وأخذ الهرم أسنانه - وينقلب عنه إلا وقد حفظ ما يجب عليه عقيدة وفرضا وسنة وإن كان لا يعرف حرفا."33

 

تعليمه ومشايخه:

 بدأ عبد الله بن سعيد تعليمه في حاحة على يد والده العالم الصوفي سعيد بن عبد المنعم، فكان أول مشايخه في العلم والتصوف، بعد ذلك انتقل إلى بلاد جزولة للأخذ عن الصوفي الشهير أحمد بن موسى السملالي34 بتازروالت.. وربما انتقل عبد الله أثناء إقامته ببلاد جزولة إلى تمنارت للأخذ عن شيخها الكبير محمد بن إبراهيم التمنارتي،35 كما ذكر من ضمن مشايخ عبد الله بن سعيد السوسيين أيضا الشيخ الصالح عياد بن عبد الله السوسي.36

ولم يتوان عبد الله بن سعيد أيضا في الانتقال للأخذ عن الشيخ عبد الله الهبطي بجبال غمارة من بلاد الهبط.37 وقد تأثر به تأثرا بالغا، واقتبس كثيرا من أخلاقه.

بعد ذلك انتهى المطاف بعبد الله بن سعيد إلى فاس، لينهل من ينابيع العلوم الدينية واللغوية على يد كبار أساتذة ذلك العصر، وهناك تتلمذ على أبي عبد الله محمد بن علي الأندلسي الشطيبي، ودرس الفقه على كل من عبد الوهاب الزقاق (ت960هـ)، وعبد الواحد الونشريسي (ت955). ولم يستبعد القادري، أثناء ترجمته لعبد الله بن سعيد، أن يكون قد أخذ كذلك على عبد الرحمن سقين (ت955هـ).38

رحلة طويلة هي إذن، تلك التي قام بها عبد الله بن سعيد من أجل إتمام تعليمه. فقد انتقل من حاحة إلى جزولة، ومنها إلى جبال غمارة ببلاد الهبط، ثم إلى فاس وأحوازها ليلتقي بمشاهير شيوخ العلم والتصوف في ذلك العصر. وهو ما ضمن له تكوينا متينا وشأنا عاليا بين علماء وصوفية زمانه. فلا عجب إذن أن ينال كل هذه الشهرة، ويحظى بإطراء شيوخه ومترجميه عليه.  وقد استمرت رحلته هذه حتى مطلع النصف الثاني من القرن: التاسع الهجري، حيث لم يغادر مدينة فاس إلا سنة: (955هـ/ 1548م).39

1-2   ظروف الانتقال إلى إداوزداغ وتأسيس زاوية تافيلالت:

أنهى عبد الله بن سعيد جولته لطلب العلم في فاس، وقد خرج منها سنة 955هـ، أي بعد وفاة والده بسنتين (953هـ/1546م). وقد أجمع أغلب مترجميه على أن انتقاله إلى إذا أوزداغ كان "بموافقة" السلطان الغالب.40 وذلك يعني أن هذا الانتقال تم بعد سنة (964هـ/1557م) وهي السنة التي تولى فيها عبد الله الغالب. ومن تم فإن الفاصل بين خروج عبد الله بن سعيد من فاس واستقراره بإدا أوزداغ يتجاوز عشر سنوات، يظهر أنه قضاها في زاوية أبيه بحاحة.

ويبدو أن أغلب مؤرخي هذا العهد أخذوا أخبار الشيخ عبد الله بن سعيد عن التمنارتي، لذلك نراهم يرددون عددا من العبارات والجمل الواردة في "الفوائد الجمة"، كما هو الشأن بالنسبة لانتقال الشيخ عبد الله إلى زداغة. حيث أثبت جلهم أن هذا الانتقال كان "بموافقة" السلطان الغالب! وكأن الأمر يتعلق بانتقال إرادي من طرف الشيخ، الذي يرغب، ودونما سبب واضح، في ترك منبته وعصبته، وأتباع زاوية أبيه، ليجازف بعزل نفسه في هذه الجبال النائية الوعرة ! وكأنه لم يكن ينتظر غير موافقة سلطان وقته ليقدم على هذا الانتقال ؟ إنه أمر جد مستبعد طبعا. والراجح أن وراء خروج الرجل من حاحة أسبابا سياسية، تتعلق بصفة أساسية بالنشاط الجهادي/السياسي لوالده سعيد بن عبد المنعم، وبالشكوك التي حامت حول رغبته في الاستيلاء على الملك، تحركها رغبة في قطع صلة الشيخ بالنفوذ الكبير الذي تمتع به والده في أوساط قبائل حاحة وعبدة.41 "لذلك رأى عبد الله الغالب أن يخرج عبد الله بن سعيد من بين عصبته الحاحيين إلى جبل ناء يتعذر الوصول إليه"42 لا يتعلق الأمر إذن "بموافقة" السلطان، بل "بأمر" السلطان. كما لا يتعلق الأمر "بانتقال" ولكن، باستعارة المصطلح من الحقل السياسي، يتحول الأمر إلى "نفي" متعمد تخوفا من تكرار تجربة سبق أن عانى منها أب السلطان الغالب وجده. وهو أمر تؤكده الإشارة الواردة عند ابن عسكر: "ولم يزل السلطان الغالب ومن بعده يكاتبونه (عبد الله بن سعيد) بالأمان ويستعطفونه وهو لا يلتفت إلى شيء من ذلك".43 فلماذا المكاتبة بالأمان إذن إذا لم يكن صدر منه في حق هذا الشيخ ما يخل بهذا الأمان ؟ ولماذا الاستعطاف إذا لم يكن مسبوقا بندم على فعل بدر منه وربما تبين عدم صوابه ؟  ومن غير المستبعد أن الأمر قد يرتبط بتدخل من طرف الشيخ أحمد بن موسى السملالي الذي كان عبد الله بن سعيد يحظى عنده بمكانة عالية، خاصة وقد سبق أن رأينا أن السلطان عبد الله الغالب لجأ إلى طلب تدخل الشيخ لتمهيد قبائل سوس وأنه ما فتئ يزوره في زاويته تيمنا وتبركا ؟

1-3   تأسيس زاوية تافيلالت بإداوزداغ:

من خلال ما تقدم، يتضح أن تأسيس عبد الله بن سعيد لزاويته الجديدة تم خلال مطلع الثلث الأخير من القرن 10هـ (النصف الثاني من القرن16م) أي بُعَيْدَ سنة (964هـ/1557م)، وذلك بمدشر تافيلالت، في مواطن المجموعة القبلية لإداأوزداغ، جهة الشمال الشرقي لمدينة تارودانت،44 (يبعد عنها بحوالي: 60 كلم ). تعيش مجموعة إداوزداغ على السفح الجنوبي للأطلس الكبير، شمالي تارودانت في منطقة وافرة القبائل، ويتحدد مجالها قبليا بمنتاكة من الغرب، وهوزيوة من الشرق، والمنابهة من الجنوب الشرقي، وأيت إيكاس من الجنوب الغربي. أما من جهة الشمال فتشكل حدود مجال إدا أوزداغ الحد الشمالي لإقليم سوس حيث يلتقي بمواطن قبيلتي كدميوة وسكساوة، وهما من قبائل السفح الشمالي للأطلس الكبير المطل على ناحية مراكش.

لا شك أن ما اشتهر به عبد الله بن سعيد من سعة علم، ورجاحة عقل، وبالغ زهد، وحسن سيرة كان له دور كبير في سرعة التفاف القبائل حوله بموطنه الجديد، وتكاثر أتباعه وزواره ومريديه. ولا نشك، أيضا، في أن يكون لمكانة أبيه، سعيد بن عبد المنعم، العلمية والصوفية، وانتشار أخبار جهاده ضد البرتغاليين، بصفة خاصة، تأثير واضح في هذه المسألة. ومن ثم يحق لنا أن نتساءل عما إذا لم يكن هذا الالتفاف السريع لقبائل المنطقة حول مؤسس زاوية تافيلالت يشكل اختيارا بديلا قامت به قبائل جبال شمال سوس (الأطلس الكبير الغربي)، في مقابل اختيار قبائل سهل وجنوب سوس الالتفاف حول السعديين؟

 سؤال يكتسب وجاهته إذا علمنا أن قبائل هذه الجبال لم تنقد للسعديين إلا من خلال الحملة التي قام بها السلطان أحمد المنصور سنة (988هـ/1580م). وقد أورد بخصوصها أبو فارس عبد العزيز الفشتالي: "فجالت العساكر في قطر السوس، وانبسطت في جهاته وأركانه، ومرت في جباله وأوطانه... حتى دوخت القصي، واستنزلت من صياصيه العصي... وأوفد عليه (أحمد المنصور) القائد محمد بن إبراهيم بن بجة وفدا من مشيخة أولئك الأقوام، خاضعين تائبين مستأمنين، وتخللتها الطاعة والعافية قاطبة، ولم تبق بها من الفساد شائبة."45

1-4   طريقة الزاوية الحاحية بإداوزداغ:

- سند عبد الله بن سعيد في الشاذلية:

تعتبر الطريقة الشاذلية، التي تستمد أصولها من مدرسة أبي القاسم الجنيد، أوسع طرق التصوف انتشارا في المغرب. وذلك لالتزامها بالكتاب والسنة، وابتعادها عن غلو تيارات التصوف الفلسفي، واعتنائها أكثر بالجانب التربوي العملي.46

 ومن المعلوم أن الطريقة الشاذلية انتشرت بالمغرب عبر طريقين ينتهيان بالشيخين: محمد بن سليمان الجزولي (ت: 877/1465)، وأحمد زرّوق (ت: 899/1493). وقد كان للأول منهما، على الخصوص، دور كبير في إحياء الطريقة الشاذلية ونشرها بالمغرب على نطاق واسع، مما أدى إلى تكاثر أتباعها.

يرتبط سند عبد الله بن سعيد في الشاذلية بالقطب محمد بن سليمان الجزولي، عبر أربعة طرق تلتقي كلها عند الشيخ عبد العزيز التباع، الذي يعتبر وارث سر الإمام الجزولي. فقد أخذ أولا عن والده سعيد بن عبد المنعم، الذي كان من أشهر الآخذين عن الشيخ التباع. كما أخذ عن أحمد بن موسى السملالي، وهو أيضا ممن تخرجوا على عبد العزيز التباع. وقد أسلفنا أن عبد الله بن سعيد عول في طريق التصوف على الشيخ عبد الله الهبطي، ومعلوم أن الهبطي أخذ عن عبد الله الغزواني عن عبد العزيز التباع. كما سبق ورأينا من ضمن شيوخ عبد الله بن سعيد الشيخ عياد بن عبد الله السوسي الذي أخذ عن عبد الكريم الفلاح عن الشيخ التباع.

من هنا يتضح أن طريقة الزاوية الحاحية شاذلية جزولية، وأن سندها في هذه الطريقة من أعلى الأسانيد، حيث أن الشيخ عبد الله بن سعيد -وكما أسلفنا -أخذ عن الإمام الجزولي من طريقين بواسطتين فقط، ومن الطريقين الآخرين بثلاث وسائط. فضلا عن أن أباه سعيد بن عبد المنعم أخذ عن الجزولي بواسطة واحدة هي شيخه عبد العزيز التباع. وهو-كما ترى -سند يعلو أسانيد باقي الزوايا المغربية الكبرى المعاصرة لزاوية الحاحيين بإداوزداغ، بما فيها الزاوية الدلائية التي اعتبرت من أهم وأكبر زوايا تلك المرحلة.47

 

- مميزات طريقته الصوفية:

- محبة الله والرسول: وقفنا من خلال ما تقدم على أن طريقة عبد الله بن سعيد شاذلية جزولية تباعية، وهي تتميز بالحب الشديد في الله، والامتثال المطلق لأوامره والامتناع عن نواهيه. قال الحضيكي يصف الشيخ عبد الله: "وكان رضي الله عنه شديد المحبة في الله، شديد الرجاء، دائم الخشوع".48 وقد صح عنه أنه قال: "والله ما عقلت على مخالفة لله تعالى عز وجل ارتكبتها، ولا آذيت حيوانا ولا نملة".49 كما اشتهر الشيخ عبد الله أيضا بشديد محبته في الرسول وآل البيت، وإكثاره من الصلاة عليهم. "وكان شديد المحبة لآل البيت، وإن كانوا فاسقين، ويتوسل إلى الله بجاههم".50

- المجاهدة: تمثل المجاهدة الجانب العملي في الحياة الصوفية، وهي مأخوذة من الجهاد، ومعناها بذل النفس في سبيل الله، ومحاربة أعدائه، وهي تعني عند المتصوفة محاربة النفس، ومخالفتها باعتبارها عدو الإنسان الذي يقوده إلى الهلاك. ومن أهم مظاهرها الخلوة والعزلة، الزهد، الإكثار من العبادة.51 وهي مظاهر جسدها الشيخ عبد الله بن سعيد في حياته أحسن تجسيد. فقد اعتزل الناس واختلى للعبادة، وكان زاهدا ورعا وبذلك اشتهر في مختلف المصادر التاريخية. قال التمنارتي: "وكان عارفا بزمانه... فاعتزل الفضول وتوارى عن العامة... وله نظر دقيق واحتياط بالغ في طريقي العبادة والعادة، أزهد الناس وأورعهم".52   وأورد ابن عسكر: "وكان دهره مستخفيا لا يريد شهرة ولا يتعرف إلى أحد".53

 

- الحرص على تعليم الأتباع أمور العقيدة والعبادة: اعتبر عبد الله بن سعيد أن التربية الصوفية الحَقّة تنطلق أولا من تعلم أمور العقيدة والحرص على ممارسة العبادة. لذا كان له اهتمام بالغ بتعليم أتباع زاويته ما يجب من العقائد، ويتشدد معهم في ممارسة الشعائر وعلى رأسها الصلاة. قال صاحب بذل المناصحة: "لم أر أحدا من المنتسبين ولا سمعت بمن يهتم بدين أصحابه كما يهتم هو بذلك".54 وقد بلغ من حرصه على تعليم الناس أمور دينهم، أنه لم يكن يأذن لمن يرد على زاويته بمغادرتها إلا بعد حفظ ما يلزمه من أمور العقيدة فرضا وسنة.

 

- أوراد وأذكار الزاوية: سبق أن وقفنا على طريقة زاوية إداوزداغ، ورأينا أنها تتميز بحب الرسول الكريم، والإكثار من الصلاة عليه. وقد جرى عرف المنتسبين للطريقة الشاذلية الجزولية على تحديد أوراد يرددونها، تتمحور حول الصلاة على النبي والتضرع إلى الله.  وإذا كنا لم نقف على الأوراد التي كانت تتلى بزاوية عبد الله بن سعيد، فأننا نعلم أن تلاوتها كانت تتم بعد صلاة المغرب. لكن ما ميز زاوية إداوزداغ أن شيخها لم يقتصر على تربية المريدين بتلاوة الأوراد فقط، بل إنه وضع لهم مواعظ وأذكارا قدرها عشرة أحزاب. جمع فيها نقولا من التفسير والأحاديث والأخبار، تبتدئ من نزول الموت بالمحتضر، ثم أهوال القبر، فالبعث والنشر، والحشر، والميزان، والصراط، والجنة والنار. حيث يجمع القيم على الزاوية كل الواردين والزائرين، وبعد الانتهاء من تلاوة الأوراد، يشرع طلبة الزاوية في تلاوة هذه الأحزاب عليهم إلى وقت العشاء، وبعد الصلاة يعودون لإتمام ما تبقى منها حتى إذا ما فرغوا من ذلك حضر الطعام.55

ولما كانت قبائل سوس التابعة للزاوية متنوعة الأصول، عربية وأمازيغية، فقد دأب الشيخ عبد الله على تخصيص من يوصل هذه الأحزاب للعربي بالعربية، وللأمازيغي بالأمازيغية.  ويظهر أن هذه المواعظ والأذكار كانت مختصرة بشكل يسهل حفظها على عموم الوافدين على الزاوية، أما تربية المريدين من الطلبة المنتسبين، فإن الشيخ عبد الله اختار له كتاب خاصا في مجلد ضخم عنوانه: "شعب الإيمان"، وقد. وقف العلامة المختار السوسي على هذا الكتاب في مضمون الخزانة الناصرية بسلا وأثبت بصدده : "ونفسه يدل على أن مؤلفه اغترف من بحر خضم، وتقل فيه النقول....".56

 

- غسل البلوغ: كان عبد الله بن سعيد، كما أسلفنا، حريصا على تعليم أتباعه، وكل من يرد على زاويته، ما يجب من أمور العقيدة. كما كان يأمر كل من تعلم، وخاصة إذا كان أميا، بالاغتسال وإعادة الصلاة من يوم بلوغه، وكان يسمي هذا الغسل غسل البلوغ. وموجبه قول الشيخ بأن صحة العبادات تتوقف على صحة الاعتقاد. لذا كان يرى هذا الأمر واجبا على الأمي إذا تعلم عقائده، ومستحبا في حق من كان عالما بعقائده مواظبا على عباداته.  وقد أثار غسل البلوغ نقاشا كبيرا بين فقهاء سوس حتى ناظروا الشيخ في هذا الأمر.57

 

                - منهج الشيخ عبد الله التربوي:

جرت المدرسة الشاذلية الجزولية على تعليم السنة والتزامها، وهو النهج الذي اتبعه الشيخ عبد الله بن سعيد، جريا كذلك على عادة أبيه سعيد بن عبد المنعم في زاويته بحاحة،58 فكان أول ما ينصح به أتباعه ويعلمهم إياه: إتباع السنة. قال التمنارتي: "شيخنا المسن أبو محمد عبد الله بن سعيد... قام هناك يعلم السنة والعقائد، ويرشد الخلق ويحضهم على إقامة السنن والدين". ثم أضاف بعد ذلك : "حضرت مجلس تذكيره... وأكد على إتباع السنة ولزومها."59

كان الشيخ عبد الله يهتم كثيرا بالمتعلمين، فيراعي مستواهم العقلي والفكري، وقدراتهم اللغوية، فيخصص لكل فئة منهم ما يناسبها. لذا رأينا المواعظ والأذكار تتلى في زاويته باللغتين: العربية والأمازيغية. كما كان يميز بين تعليم الطلبة وتعليم العامة، حيث خصص للعامة كتاب "المواعظ والأذكار" وهو مختصر يسهل حفظه، يشتمل على ما هو ضروري للمسلم أن يعلمه من أمور عقيدته. بينما خص الطلبة ببرامج متنوعة شملت عددا من الفروع العلمية كالفقه والحديث والتفسير والتوحيد والتصوف والعربية وهي فنون سبق أن رأينا أن الشيخ نال منها حظا وافرا أثناء جولته لطلب العلم.

وقد عرف عن الشيخ أنه كان يرى أن أنجع تعليم وأيسره هو الذي يتلقاه الإنسان في صغره، لذا كان يفضل تعليم الطلبة على تعليم العامة. ومما روي عنه في هذا الباب قوله: "رد الطلبة لطريق الاستقامة أيسر، وهو كالبناء على الأساس، وهم أقرب للحق وحفظ الأدب مع الشيخ، والتماس حسن التأويل فيما لا يقف على حقيقته من كلامه (...) بخلاف غيرهم، فإنه يحتاج في استقامته إلى كلفة عظيمة وطول زمان...".60

ونظرا لاعتقاده الراسخ بأن التربية الصوفية لا تكتمل إلا بالعلم، بل إنه كان يرى أن الإيمان لا يكتمل إلا بالعلم، كرس الشيخ عبد الله زاويته لتدريس مختلف علوم عصره فتخرج من هذه الزاوية عدد كبير من الأعلام الذين كان لهم شأن كبير في مجالات العلم والتأليف والقضاء والفتوى ويكفي أن نذكر منهم محمد بن عبد الواسع الباعقيلي مؤلف "مناقب الباعقيلي"، وأحمد بن علي البوسعيدي الهشتوكي مؤلف "بذل المناصحة" وغيره. وعبد الرحمن التمنارتي قاضي الجماعة بتارودانت، وصاحب "الفوائد الجمة"... كما خرّج عبد الله بن سعيد على يده أساتذة أفذاذا تصدوا للتدريس إلى جانبه بزاوية زداغة نذكر منهم على الخصوص ابنيه: الحسن، ويحيى. فقد اشتغل الحسن بن عبد الله الحاحي بالتدريس والفتوى بإداوزداغ، وقد وقف المختار السوسي على مجموعة من فتاويه، أما يحيى بن عبد الله فإنه اشتغل بالتدريس كما تولى رئاسة الزاوية بعد أبيه، وامتاز في علوم الفقه والرواية والحديث...، كما برع في الترسل ونظم القوافي. وتكفي هذه الأمثلة دليلا على مدى نجاح الأسلوب التربوي الذي أسسه الشيخ عبد الله بن سعيد ودرجت عليه زاويته من بعده في عهد ولده يحيى.

 

           3- علاقة زاوية إداوزداغ بالمخزن في عهد الشيخ عبد الله:

 

ينطلق تاريخ زاوية إداوزداغ من حاحة، أي من الفترة التي كان فيها مؤسس هذه الزاوية، الشيخ عبد الله بن سعيد، يترأس زاوية أبيه بأيت داود. وهي فترة تمتد منذ خروجه من فاس سنة (955هـ-1548م) إلى ما بعد سنة (964هـ-1557م) كما أسلفنا. ومن ثم فإن علاقات زاوية زداغة بالمخزن السعدي لم تتمكن من التخلص من تأثيرات طبيعة العلاقات التي كانت تربط هذا المخزن بشخص الشيخ سعيد بن عبد المنعم وزاويته بحاحة.

سبق أن وقفنا على أن علاقات زاوية أيت داود بالمخزن السعدي كانت مطبوعة بنوع من التوتر سببته تخوفات السعديين من النفوذ المتزايد للشيخ سعيد بن عبد المنعم في أوساط قبائل حاحة وعبدة، وما كان شائعا من طموحه إلى الاستيلاء على الملك. كما أن تشدد أتباع الشيخ في معاملاتهم، حسب ما أورده ابن عسكر، أدى إلى سوء ظنون ملوك السعديين بهم، وبأولاد الشيخ، "حتى جاهروهم بالقتل والتشديد61 وقد اشتهر الشيخ سعيد كذلك بشدّته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعانى أوائل السعديين الأمرّين من جرّاء ذلك، "بل كانوا يتجرّعون مرارة الاحتمال لإنكاره عليهم في طريق الظلم والتعدي." 62

رأينا من قبل كيف خيمت ظلال هذا التوتر على علاقات المخزن بزاوية أيت داود حتى وفاة الشيخ سعيد بن عبد المنعم، وكانت وراء "نفي" ابنه عبد الله إلى جبال إداوزداغ. فكان من الطبيعي أن ترث زاويته الجديدة تبعات زاوية أبيه الأولى. ومن ثم انطبعت علاقاتها بالمخزن السعدي باستمرار ذلك الـتّوتر، وهو ما تعكسه الإشارة الواردة عند ابن عسكر: "ولم يزل السلطان الغالب ومن بعده يكاتبونه بالأمان، ويستعطفونه وهو لا يلتفت إلى شيء من ذلك".63

لقد أقنعت هذه التجربة الشيخ عبد الله بن سعيد بضرورة الابتعاد عن أي ارتباط مباشر بالسلاطين، أو تدخل في تقلبات الحياة السياسية. فأفرغ قناعته هذه في نوع من الخلوة الصوفية، جعلته يحتجب حتى عن زواره من العامة المعتقدين بصدق في ولايته.  وقد تأكد موقفه هذا عندما انقسمت الأسرة السّعدية على نفسها، لما ثار عبد الملك المعتصم وأخوه أحمد المنصور على ابن أخيهما الغالب: محمد المتوكل. حيث التجأ هذا الأخير إلى زاوية ابن ويسعدن64   بسكتانة، واعصوصبت حوله قبائل الأطلس الكبير بأمر شيخ سكتانة، فاستعرت سفوح الأطلس حروبا طاحنة بين الطرفين، في حين ظل الشيخ عبد الله بن سعيد بعيدا عن التدخل في هذا الصراع رغم قربه الجغرافي منه. وكان بإمكانه -لو انضم بأتباعه إلى ابن ويسعدن- أن يغير مجرى الأحداث. 65

من الواضح إذن أن احتجاب الشيخ عبد الله بن سعيد عن العامة، وابتعاده عن الدخول في علاقات مع المخزن، وإن كان يدخل في باب الخلوة، التي تعتبر مرحلة هامة في التربية الصوفية وجزءا لا يتجزأ من حياة المجاهدة، فإنه في الوقت ذاته يشكل خلاصة تجربة مريرة تمثلت في موقف المخزن السعدي من الشيخ ومن أبيه قبل ذلك.  وهي ربما نفس الخلاصة التي دفعت السيدة مونيي إلى التساؤل عما إذا لم يكن موقف الشيخ هذا يشكل إجراء حكيما يجعله في مأمن من محاولات الاغتيال، التي سيسقط ابنه يحيى ضحيتها فيما بعد.66  وهو احتمال توحي به العبارات التي رددها مترجمو الشيخ عبد الله بن سعيد، نقلا عن التمنارتي الذي أثبت عند ترجمته للشيخ: "وكان عارفا بزمانه متحفظا من أهله، حسن التدبير، فاعتزل الفضول وتوارى عن العامة ". 67

رغم إحجام الشيخ عبد الله عن التدخل في الصراعات السياسية لعصره، فإن المخزن -على ما يبدو- لم يغير موقفه منه ولا من زاويته. حيث ظل هذا الشيخ يشكل مصدر خطورة على السعديين نظرا لتكاثر أتباعه المستمر، والتفاف قبائل الأطلس الكبير وسوس حول زاويته، خاصة وأن هذه القبائل -والجبلية منها على الخصوص- لم يثبت انقيادها لسلطة أحمد المنصور رغم طول الأمد.68 فقد عاد التوتر، من جديد، يخيم على علاقات الزاوية بالمخزن أيام هذا السلطان، وهو ما عبر عنه الإفراني بقوله: "ولما كانت خلافة المنصور، أوغروا عليه صدره، وخوّفوه منه لكثرة الزائرين له. فبعث قائده منصور بن عبد الرحمان العلج يتحايل لقبضه". 69  وقد اضطر الشيخ آنذاك إلى ترك زاويته والصعود للاحتماء بوعورة بعض القمم الجبلية المجاورة، في قرية تعرف ب: (تين تزيمرت) أو (بوشنين) حديثا.70

من الواضح إذن أن حملة المنصور هذه تندرج في إطار موقف المخزن السعدي من زاوية الحاحيين، وهو موقف اتسم بالتشكيك في نوايا الأسرة المنانية الحاحية، والتخوف من طموحاتها، والرهبة من استيلائها على السلطة. لكن الغريب في الأمر أننا لم نقف، من سلوكات الشيخ عبد الله بن سعيد، على ما يبرر هذا الموقف. فقد رأينا أن الشيخ عاش في عزلة وحجاب حتى عن العامة طوال حياته، وأنه لم يتدخل في صراعات الأسرة السعدية، رغم أن الظرف كان مواتيا، لو كان للشيخ أدنى طموح سياسي. لذلك فإننا لا نعلم، لحد الآن، الأسباب الحقيقية لحملة المنصور على زاوية إداوزداغ، خاصة وأن المصادر لم تسعفنا في هذا الباب. ويبدو أن آل الشيخ عبد الله أنفسهم لم يكونوا يعلمون سببا مقنعا لذلك الحصار، وهو ما يوحي به سؤال الشيخ يحيى بن عبد الله لأبيه، أثناء هذه المحنة، حيث روى عنه التمنارتي قوله: "لـمّا نزل بقربه قائد المنصور، منصور بن عبد الرحمن يتحايل لقبضه... جئت إليه فقلت: ألا ترى ما نزل بنا من هذه المحالّ بلا ذنب؟ فادع عليها. فقال: نسأل الله السلامة والعافية، فرجعت عنه مهموما". 71

ترجع السيدة مونيي أسباب هذا الحصار إلى كون الثائر داود،72 كان قد التجأ إلى زاوية زداغة 73 أثناء ثورته على عمّه المنصور. وقد أحالت في هذا المجال على نزهة الحادي للإفراني، لكن بعودتنا إلى هذه الإحالة وجدنا الإفراني ينقل أخبار الثائر داود بن عبد المؤمن عن مناهل الصفا للفشتالي، ولم نقف عند المؤرخين معا على ما يثبت قول السيدة مونيي. فهما يجمعان على أن داود انتقل من جبال سكساوة إلى جبال هوزالة، وصحيح أن مجال قبيلة إداوزداغ يقع بين مجالي القبيلتين المذكورتين، وقد يكون داود بن عبد المؤمن اجتاز في تنقله مجال زداغة، لكن ليس هنالك ما يثبت أنه آوى إلى زاوية عبد الله بن سعيد. ومما يؤكد هذا الطرح أن "ديوان قبائل سوس" لإبراهيم بن علي الحسّاني،  والذي وضعه أثناء حملة المنصور على سوس سنة (988هـ/1580م) لمحاربة ابن أخيه الثائر داود بن عبد المؤمن، يورد اسم مرابطي زاوية تافلالت إداوزداغ ضمن لائحة من حررهم المنصور من وظائف المخزن. 74

مهما يكن من أمر، فالمؤكد أن علاقات زاوية إداوزداغ بالمخزن السعدي ظلت يطبعها التوتر والحذر والتحفظ.  وكانت طبيعة هذه العلاقات تلقي بظلالها على القبائل التابعة للزاوية.  هذه القبائل التي يبدو جليا أنها كانت واعية بطبيعة هذه العلاقة، لذا كانت تلجأ إلى الشيخ عبد الله لتقدم إليه شكاياتها من إجحاف قواد المنصور. ومن ذلك أنّ أحد أتباع الشيخ بأسفل سوس، أضرّبه قائد المنصور عبد الرحمان بن المريد الشياظمي، فشكاه إلى الشيخ عبد الله. وقد أمر هذا الأخير أصحابه الحاضرين، على سبيل التمثيل، أن يذبحوا القائد عبد الرحمان هذا، ويخرجوه للقمر ويشقوا بطنه. فلم يمض إلا وقت يسير حتى هجمت قبائل مسكينة على قصبة القائد المذكور وفعلت به تماما نفس المشهد الذي مثله أصحاب الشيخ.75 ورغم أن الحكاية تروى في باب إثبات كرامات الشيخ، فإنها تحمل في طيّاتها عددا من العناصر الجديرة بالتأمل. فهل ما فعلته قبائل مسكينة بالقائد عبد الرحمان بن المريد كان من قبيل المصادفة ؟ أم أنها كانت طريقة الشيخ في الإيحاء للقبائل بما ينبغي فعله بقواد المخزن وأعوانه؟ بمعنى آخر هل كانت هذه طريقة غير مباشرة في إصدار الأوامر للقبائل بالتمرد ؟ إنه احتمال يبقى مطروحا رغم أنه يحتاج إلى مزيد من الإثبات. ثم ألا يمكن اعتبار الإقدام على التمثيل بذبح أحد قواد المخزن، بمثابة أمر ينطوي على موقف معارض لهذا المخزن ؟ أو ليس في طريقة شق البطن ما يوحي على أنها طريقة لعقاب الجشع، الذي قد يكون وراء استيلاء هذا القائد على أكثر مما يجب من جبايات هذه القبائل ؟ ومن تم ألا يمكن اعتبار السياسة الجبائية للمنصور أحد الأسباب الكامنة وراء موقف الزاوية المعارض هذا؟ إنه احتمال أكثر من ممكن، خاصة إذا دققنا فيما ورد في "ديوان قبائل سوس" حيث أضاف الحساني بعد أن أثبت لائحة العائلات المحررة من وظائف المخزن -ومن ضمنها أهل تافلالت- عبارة: "وتقضى منهم الجبايات".76 وكما نعلم فإن موضوع الجبايات بالضبط شكل إحدى نقط الخلاف، فيما بعد، بين الشيخ يحيى بن عبد الله والسلطان زيدان بن أحمد المنصور كما تدل على ذلك مراسلاتهما.

 هذه إذن في عجالة بعض ملامح تاريخ الأسرة المنانية الحاحية، وهذه بعض من الأدوار الطلائعية التي لعبتها في تاريخ سوس خاصة والمغرب بصفة عامة على المستويات الصوفية والعلمية والسياسية.

أشكركم على حسن تتبعكم

 والسلام عليكم.ا

لهوامش :

1- تقع مواطن قبيلة إذا وبوزيا بين تمنار في الغرب وأركانة في الجنوب الشرقي، على بعد حوالي خمسة وسبعين كيلومترا (75كلم) جنوبي شرقي مدينة الصويرة.

2- محمد المختار السوسي، المعسول، ج: 19، ص: 72، مطبعة النجاح، البيضاء 1963.

3- السوسي، م.ن، ص : 70، وكذا إذ إبراهيم إبراهيم التامري، المتعة والراحة في تراجم أعلام حاحة، ج : 1، ص : 105، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء ، الطبعة الأولى 1995.

4- الإفراني، نزهة الحادي، ص: 302، تحقيق عبد اللطيف الشاذلي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 1988.

5-   Meunié (D.J) le Maroc… op.cit, p : 485

6-   Ibid, p : 485.

7-  وردت أخباره عند التمنارتي، أثناء ترجمته لابنه سعيد، الفوائد الجمة، ورقة: 38، وقد ترجم له السوسي، المعسول، ج: 19 مع تراجم أهله، وكذا التامري، المتعة والراحة، ج: 1.

8-   ابن عسكر، دوحة الناشر، ص: 102.

9-   التمنارتي، الفوائد الجمة، ورقة: 37.

10-   الإفراني، نزهة الحادي، ص: 309.

11-  هو أبو محمد عبد الله بن محمد الهبطي أصله من صنهاجة طنجة من قبيلة إيمتنة، عالم كبير وصوفي شهير، أخذ على ثلة من مشايخ العلماء والصوفية كـ: عبد الله القسطلي وأحمد الزقاق، والحاج زروق... كما أخذ عن محمد بن يجبش التازي، ومعتمده في التصوف هو شيخه عبد الله الغزواني. كانت وفاة الهبطي سنة: (963هـ/1556م).

12-  ابن عسكر، م.س، ص: 103.

13-   التمنارتي، م.س، ورقة: 38.

14-   سبقت ترجمة عبد العزيز التباع، راجع الهامش (65) من الفصل الأول.

15-  محمد حنداين، مساهمة في دراسة المجتمع الحضري المغربي، تارودانت ومحيطها التاريخي خلال القرنين: 17-18م، ص: 158، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا، جامعة محمد الخامس، السنة:92-93 غير منشور.

16-  ابن عسكر، م.س، ص: 103.

17-   م.ن، ص: 103.

18-  إيكلمان (ديل)، الإسلام في المغرب، ج: 1، ص: 47، ترجمة محمد أعفيف، دار توبقال، ط1، 1989.

19-   توجد الرسالة عند السوسي، المعسول، ج: 13، ص:272-275، وسنعود لمناقشتها.

20-  حجي محمد، الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين، ج: 2، منشورات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، مطبعة فضالة، 1978.

21-  Montagne (R.), op.cit, p : 108

22-   حجي محمد، الحركة، ج: 1، ص: 221.

23-  أحمد بن عبد الرحمن المسكدادي التزركيني عالم مشارك أخذ بفاس عن الإمامين ابن غازي وأحمد الونشريسي، صحب الشيخ أحمد بن موسى فأصبح متصوفا زاهدا. ومن أشهر مشايخه السوسيين: الحسن بن عثمان التملي ويحيى بن مخلوف السوسي. كانت وفاة التزركيني سنة (958هـ/1551م).

24-  م. المختار السوسي، المعسول: ج 13، ص: 273.

25-  عبد الله بن عمر المضغري من تافلالت، عالم وصوفي كبير أخذ عن أحمد زروق وعبد العزيز القسنطيني، وكانت للمضغري زاويتان: إحداهما بتافيلالت والثانية بتكمدارت بدرعة، وفيها تربى أحمد الأعرج ومحمد الشيخ ابنا القائم بأمر الله. قام برحلة طويلة إلى سوس ليقنع شيوخه بمبايعة السعديين. كانت وفاته حوالي: (928هـ/1522م).

26-  بركات بن محمد بن أبي بكر التيدسي شيخ صوفي اشتهر بالولاية والصلاح، وكان يشرف على أعمال الجهاد بسواحل سوس، ويتدخل لافتداء الأسرى الذين يسقطون في أيدي البرتغاليين، وقد لعب دورا كبيرا في إقناع قبائل سوس بتنظيم جهادها واتخاذ قيادة سياسية، ورفض عرض الإمارة التي تقدمت به هذه القبائل ووجهها إلى شريف درعة محمد بن عبد الرحمن، كانت وفاته بعد (917هـ/1511م).

27-  محمد بن مبارك الأقاوي من أعلام صوفية عصره، كان يحرض القبائل على الجهاد، وعلى يده تمت مبايعة محمد بن عبد الرحمن القائم بأمر الله، وانقادت له القبائل توفي (924هـ/1518م).

28-  الحضيكي، الطبقات، ج: 1، ص: 13.

29-  الحسن اليوسي، المحاضرات، ص: 77، أعدها للطبع محمد حجي، مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، الرباط 1976.

() نعلم من الذين ترجموا لعبد الله، بن سعيد عن لقاء ومعرفة مباشرة، ثلاثة وهم ابن عسكر في دوحة الناشر، حيث ذكر أنه التقى به عند الشيخ الهبطي. والشيخ أحمد بن علي صاحب كتاب "بذل المناصحة" وقد استقر بزاوية زداغة وتتلمذ على يد عبد الله بن سعيد، وعنه نقل الإفراني وغيره أخبار هذا الشيخ. ثم التمنارتي صاحب "الفوائد الجمة" حيث ذكره على رأس أشياخه في التصوف، ويجدر بالذكر أنه تتلمذ أيضا على ابن يحيى بن عبد الله.

30-  ابن عسكر، م.س، ص: 103.

31-   م.ن، ص: 104.

32-   التمنارتي، م.س، ص: 37.

33-   م.ن، ص: 37.

34-  هو أحمد بن موسى بن عيسى الجزولي السملالي، صوفي شهير وعالم عابد، ساح سياحة كبرى في المشرق والمغرب لقي فيها عددا من الأولياء وأخذ عنهم، وتخرج على يده عدد كبير من أعلام المغرب في القرن 10هـ/16م كعبد الله بن سعيد الحاحي، وأحمد أدفال الدرعي... كانت وفاة أحمد بن موسى سنة 971هـ.

35-   محمد بن إبراهيم بن عمرو بن طلحة اللكوسي الجزولي، ولد بفم الحصن، ثم جال في بلاد جزولة وأخذ عن جملة من الشيوخ من ضمنهم الشيخ الحسن بن عثمان التملي، استقر ببلدة تمانارت وأفنى عمرا في التدريس فانتفع به خلف كثير من طلبة العلم. وقد كان من ضمن الذين رافقوا السلطان الغالب في حملته على البريجة سنة 969هـ، وكانت وفاته سنة 971هـ.

36-   عياد بن عبد الله السوسي، من كبار صوفية سوس اشتهر بكرمه، فكان الناس يلجأون إلى زاويته في وقت الحاجة، أخذ عن الشيخ عبد الكريم الفلاح. وكانت وفاته سنة 981هـ.

37-   ذكر ابن عسكر أنه التقى بعبد الله بن سعيد لما رحل للأخذ عن الشيخ عبد الله الهبطي.

38-    محمد بن الطيب القادري، نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني، ص: 96، ج: 1 تحقيق: محمد حجي وأحمد التوفيق، دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، الرباط 1977.

39-    القادري، م.ن، ص: 96.

40-  م.ن، ورقة: 36-37. وكذا: الإفراني، صفوة من انتشر، ورقة: 12، مخطوط بخزانة الإمام علي بتارودانت.

41- حجي محمد، الحركة الفكرية، ج: 2، ص: 560.

42- م.ن، الصفحة نفسها.

43- ابن عسكر، دوحة الناشر، ص: 104.

44- وقع عدد من الباحثين في أخطاء أثناء تحديدهم لموقع تافيلالت إداوزداغ، فمنهم من خلط بينها وبين تافيلالت الواقعة بإدا ومحمود: أنظر Sadki Ali. « La montagne marocaine » In HESPERI-TAMUDA Vol XXVIII, Fasc. : Unique 1990.

45- الفشتالي، مناهل الصفا، ص: 31-32.

46- محمد المنوني، ورقات عن حضارة المرينيين، ص: 408، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء 1996.

47- يرتبط أبو بكر بن محمد الدلائي، من أقرب الطرق، بمحمد بن سليمان الجزولي عبر ثلاث وسائط، حيث أخذ عن أبي عمر القسطلي عن عبد الكريم الفلاح عن عبد العزيز التباع عن محمد بن سليمان الجزولي، كما أن أقرب طرق ابنه محمد بن أبي بكر الدلائي إلى الجزولي تمر كذلك عبر ثلاث وسائط، فقد أخذ عن أبي عبيد الشرقي عن أبي القاسم الزعري عن عبد العزيز التباع عن الإمام الجزولي.

48- محمد بن أحمد الحضيكي، مناقب الحضيكي، ج: ‌2، ص: 221، المطبعة العربية، الدار البيضاء 1355هـ. ط1.

49- الإفراني، صفوة من انتشر، ص: 11.

50- الإفراني، صفوة من انتشر، ص: 11.

51- أحمد بوكاري، الزاوية الشرقاوية: زاوية أبي الجعد، إشعاعها الديني والعلمي، مطبعة النجاح الجديدة، ط: 1، 1985.

52- التمنارتي، الفوائد الجمة، ورقة: 37.

53- ابن عسكر، دوحة الناشر، ص: 104.

54- الإفراني، صفوة..، ص : 13، وصاحب "بذل المناصحة" هو الشيخ أحمد بن علي الهشتوكي البوسعيدي، وكان قد لازم الشيخ عبد الله بن سعيد في زاويته بزداغة إلى أن مات، ثم انتقل إلى فاس وأقام بالمدرسة المصباحية إلى أن توفي (1046هـ/1637م)، له تآليف كثيرة من أشهرها "بذل المناصحة في فعل المصافحة" الذي يعتبر مصدرا مهما لأخبار الشيخ عبد الله بن سعيد، وعنه نقل كثير من المؤرخين كالإفراني، والحضيكي ...، ولم يتيسر لنا الإطلاع عليه.

55- م.ن، ص: 13، وقد نقل الإفراني هذا الكلام عن بذل المناصحة.

56- المختار السوسي، المعسول، ج: 19، ص: 79.   وقد اعتقد خطأ أن الكتاب من تأليف الشيخ عبد الله بن سعيد، ثم استدرك (ص: 304) ونسب الكتاب إلى صاحبه وهو الشيخ عبد الجليل القصري المتوفى سنة: 603هـ.

57- الإفراني، صفوة...، ص: 14 - 15.

58- اشتهر سعيد بن عبد المنعم بتشدده الكبير في الإتيان بالسنة النبوية على حالها، وقد أجمع مترجموه على أنه هو الذي أحيا به الله السنة بسوس، وانتعش به أمر الإسلام فيه. وهو وصف اتفق فيه ابن عسكر في دوحة الناشر، والتمنارتي في فوائده، والإفراني في صفوة من انتشر وكذلك في نزهة الحادي، وكل من جاء بعدهم وأخذ عنهم من المؤرخين.

59- التمنارتي،  الفوائد، ص: 37.

60- التمنارتي، الفوائد..، ورقة: 37.

61- ابن عسكر، دوحة الناشر، ص: 103.

62-  م.ن، و الصفحة نفسها.

63-  م.ن، ص: 104.

64-  تقع زاوية ابن ويسعدن في قبيلة سكتانة شرق مدينة تارودانت على بعد 135 كلم، والشيخ محمد بن ويسعدن، الذي يرفع نسبه إلى عمر بن الخطاب، هو من كبار رجال العلم والتصوف في القرن 10هـ/16م، أوى إلى زاويته عدد كبير من الطلبة والمساكين والأرامل والأتيام.. وتكفل الشيخ بإطعامهم وكسوتهم.. وقف الشيخ ابن ويسعدن إلى جانب محمد المتوكل ضد عميه عبد الملك وأحمد: ورغم انتصار هذين الأخيرين لم يجرؤ أي منهما على انتهاك حرمة زاوية الشيخ. وكانت وفاته سنة (987هـ/1579م). وتجد ترجمته عند : ابن عسكر: دوحة الناشر، التمنارتي: الفوائد الجمة، الحضيكي: الطبقات 2، السوسي: المعسول 19 –خلال جزولة  3–سوس العالمة، حجي: الحركة الفكرية 2.

65-  محمد حجي، الحركة الفكرية، ج: 2، ص: 561.

66-  Meunié (D.J), le Maroc Saharien.., Op.cit, T : 2, P : 486.

67-  التمنارتي، الفوائد الجمة، ورقة: 37.

68- لم تنقد هذه القبائل بصفة نهائية للسعديين إلا من خلال حملة المنصور على سوس سنة: (988هـ/1580م). راجع بهذا الصدد: الفشتالي، مناهل الصفا، ص: 31 - 32، وكذا إبراهيم بن علي الحساني، ديوان قبائل سوس، ص: 13/14.

69-  الإفراني، صفوة...، ص: 12.

70-  استفدنا هذين الاسمين من تصحيحات الأستاذ المؤرخ أحمد بزيد الكنساني.

71-  الإفراني، صفوة...، ص: 12.

72-  هو الأمير داود بن عبد المؤمن بن محمد الشيخ المهدي، توفي أبوه أثناء إقامته مع أخويه عبد الملك وأحمد بتلمسان عندما كانا يتهيآن للثورة على ابن أخيهما محمد المتوكل. وبقي داود في كفالة عمّيه. وبعد أن صار ملك المغرب إلى أحمد المنصور، عقد لابن أخيه هذا على مكناسة، ثم رأى أن يصرفه عنها فصحبه إلى مراكش واستبقاه بها تحت نظره، وعين له من ينوب عنه في ولاية مكناسة. ولما فطن داود إلى مقصد عمه فر إلى جبال سكساوة عام (987هـ/1579م) فحاول عمه القبض عليه، وكان من أمره ما كان. راجع الفشتالي، مناهل الصفا، ص: 23 وما بعدها.

73- Meunié (D.J) le Maroc... Op.cit, T2, P : 485

74-  إبراهيم بن علي الحساني، ديوان قبائل سوس، ص: 26.

75-  راجع القصة بكاملها عند التمنارتي، الفوائد الجمة، ورقة: 37.

76-  إبراهيم بن علي الحساني، ديوان...، ص: 26.