1 ـ
ماذا يعني بالنسبة إليك جنس القصة القصيرة ؟
على
الرغم من صعوبة إعطاء معنى عام و مطلق لجنس أدبي عصي و مغلق و سردي و
لولبي كالقصة ، إلا أنه بالنسبة لي ، و من وجهة نظر شديدة الخصوصية و
التجريد ، يمكن أن يعني ما يلي : القصة القصيرة هي تلك الحكايا و الأحداث
و الفضاءات و الوقائع ، التي عندما أفرغ سواء من إعادة تشييدها أو
هدمها وفق رؤيتي الحصرية و المختلفة للعالم ، لا يعود بوسعي فيما بعد
تذكرها ، لأنها تواصل النمو بداخلي دون انقطاع إلى أن تتحول إلى شيء
آخر : إنها هي أنا بالضبط ! .
2 ـ يفهم من قصر القصة القصيرة أنها ذات حيز
ضيق ، فهل تجد في هذا الحيز متسعا كبيرا للكتابة؟
إن
كل قصة قصيرة هي بمثابة المزاج الحاد للكتابة . تجافي الحشو و التزيين
المجّانيين ، لأنها فن مضغوط و ممغنط و بلا زوائد ، تنهض شعريته على
مبدإ الإيجاز و التركيز .
فمن
السهولة بمكان أن تضع قاربا في محيط ، لكن من المستحيل أن تُدخل حاملة
طائرات مسبحا أو مربى مائيات ( أكواريوم) . براعة المستحيل هاته ، هي
جوهر القصة القصيرة : ضيق الحيز و شساعة التخييل .
و
أحدس أنها محكومة بهذا القدر اللعين : قِط معاق " جينوميا " كي لا
يصير ذات نزوة نمرا . و جدول صغير مقيد الحلم بالتحول ذات غمر إلى
بحر . فطوبى للقطط و الجداول !
3 ـ ما هي تقنياتك الخاصة في صياغة نص قصصي
قصير؟
في حقيقة الأمر لا يمكن الإقرار ـ هكذا ببساطة ـ بوجود تقنيات خاصة
لكتابة القصة القصيرة ، فشخصيا، أتبنى التصور القائل بوجود تقنيات
عامة مقابل وجود أساليب خاصة . فحسب الناقدة الأمريكية هالي بيرنت ،
التقنيات العامة تتمظهر في شتى القصص القصيرة ، سواء أ كانت تقليدية
المنحى صُيِّغَتْ بطريقة " القوس " ( تكون ذروتها في منتصفها ، ثم
يقودنا المؤلف إلى الحل تدريجيا حتى النهاية ) ، أم بطريقة " السلسلة
الجبلية " ( عندما تتشكل من عدد من الذروات )، أو كانت حديثة الميسم
دُبجت بطريقة " التجلي " ( تتبلور فيها الفكرة و تتضح عند مشارف
الصفحة أو السطر الأخيرة ) ، أم بطريقة " التسطيح " ( تسيطر فيها
الفكرة من البداية إلى النهاية التي تكون غالبا غُفلا من أية ذروة أو
تجل أو تقويس ).
و هي الطرائق الأربع التي يمكن عدها المراحل الكرنولوجية للتطور
السلالي لهذا الجنس الأدبي ، و تحت يافطتها الرباعية الزوايا ،
كُـتِبت و ما زالت تُكتب كل القصص القصيرة منذ بداياتها حتى أيامنا
هذه.
أما عن الأسلوب الخاص في كتابة القصة القصيرة ، فأعتقد أنه يتم القبض
عليه عندما يصبح بمقدورنا تشفير مفهوم " اللامُحَدَّد النصي " ، أي
تلك العناصر الجزئية / الدقيقة / اللامظهَّرة التي تميز خطابا عن
خطاب و نصا عن آخر. و عليه فإن الولوج إلى لا مُحَدَّدَات القصة
القصيرة ، هو الوصول إلى أسلوب و بصمة خالقها.
4 ـ هل أنت كاتب قصة قصيرة فقط ، أم أنك تملك
مشروعا جماليا و نظريا لكتابة القصة القصيرة ؟
طبعا ـ يا عزيزي عبد الحميد ـ لست فقط كاتب قصة قصيرة كأيها القصاصون
.. كأيها مَنْ يسترزقون الله بالقصة القصيرة ، فإن كسدت أشاحوا
بأقلامهم عنها إلى جنس أدبي أو تعبيري آخر ( لاحظ معي كيف أصبح
الجميع بين غفلة و ضحاها.. بين همزة و عشاها كتابا من الدرجة الرابعة
في كل شيء و لا شيء.. إنهم لا يحشمون ! )... بل أنا صاحب مشروع قصصي
انقلابي بامتياز يروم التأسيس لنص الهزات الداخلية ، الذي يحرض على
اجتراح التحولات و المعالجات و الجراحات التجميلية لأعراض الشيخوخة
في الجسد القصصي . نص يقع خارج علامات الموت النوعي للجنس . نص ضد
المكوث في الصدى ، و ضد المراكز الراسخة في الذاكرة القصصية . نص
تجريبي / لا يقيني / و لا مطمئن بمكنته البقاء في المقدمة لاكتشاف
مساحات إبداعية جديدة شأن طائر الكناري الذي يسبق عامل المنجم كي
يتأكد من خلو الهواء ( هواء القصة ) من الغاز السام . نص قادم من
المستقبل ، لا أكتبه للراهن ، بل ليمثلني في الجحيم أمام الله يوم
الحشر ! ..
5 ـ كيف تضع البداية لقصة قصيرة ما ، و متى
تقرر أن تضع لها نقطة نهاية ؟
فيما يتعلق بتشكيل بداية القصة القصيرة و نهايتها ، فليس ثمة من
قواعد ثابتة . قالقصة القصيرة إما أن تكون قصة قصيرة فعلا أو برازا .
" و حتى لو وُجدت هذه القواعد ، لا أريد أن أعرف عنها شيئا على
الإطلاق ، و على كل حال لن أطبقها . فليحفظني الإله من أمر من هذا
القبيل " هكذا تكلم القاص الأمريكي دايفيد غيتس ، و أنا أصدقه ! ..
أصدقه ، لكنْ مع الأخذ بعين الاعتبار وصيتين مركزيتين للناقد وت
بيرنت :
الأولى : مفادها أنه ليس بإمكاننا كتابة قصة قصيرة جيدة دون أن يكون
بداخلنا قصة قصيرة جيدة . و من الأفضل أن يكون لدينا شيء نقوله دون
بناء فني ، على أن يكون لدينا بناء فني دون شيء تقوله.
و من ثمة ، إجبارية شد انتباه القارئ بالجمل و الفقرات الأولى لمفتتح
السرد حتى نقنعه بأن لدينا فعلا ما نقوله ، حتى و لو كان هذا الذي
نود قوله ـ كما يصرح بورخيس ـ " خطة سرية نتبعها على نحو اعتباطي
لتحقيق أهداف مجهولة " .
أما الثانية : فمؤداها أن " المواصلة " التي تفضي ـ وفق المنطق الخاص
لكل قصة قصيرة، الذي قد يكون مخالفا للمنطق المألوف ـ إلى النهاية /
مختتم السرد ، لا يجدي فيها استعمال الكلمات غير الشائعة بطريقة
عادية ، بل يجب استعمال الكلمات العادية بطرائق غير شائعة .
و من هنا ، ضرورة التوفر على حبكة متماسكة كالعصب الذي يجري بطول
يرقة الحشرة ، توجه حركة القصة القصيرة و تقدمها نحو هدفها النهائي ،
أي نحو الخاتمة لتلفظ أنفاسها الأخيرة .
ياه ! كم هي بئيسة هذه " الوصايا " فليحفظني الله و إياكم ـ مرة أخرى
ـ منها ! ...
6 ـ هل تسعى إلى أن تكون كاتبا في جنس القصة
القصيرة بامتياز ، أم تطمح للكتابة في كل الأجناس ؟
إن أقصى طموحي لا يتجاوز الكتابة ضمن جنس أدبي واحد لا شريك له ، هو
القصة القصيرة . صحيح إنه موقف متطرف بعض الشيء ( أو كثيرا لا أدري ؟
! ) ، لكنه على الأقل يُحَصّنني ضد آفة القفز بلا تبان إلى المحيط
المتلاطم للأجناس الأدبية الأخرى . و لإدراك الخلفيات الجمالية و
النظرية و الأنطولوجية التي تدعم بشراشة موقفا متنطعا من هذا القبيل
، يمكن العودة إلى ما كتبه فبراندر ماثيوز أحد المنظرين لجنس القصة
القصيرة ، الذي يؤكد في مؤلفه القيم " فلسفة القصة القصيرة " ، على
أن هذا الجنس " عالم فني متكامل بذاته و محطة بقاء دائم لكثير من
المبدعين ، لكنه خادع بإغرائه ينتسب إليه كثيرون و يبدع فيه قليلون "
. و يصبح هذا الإخلاص حقيقة ملموسة ، عندما نعلم أن أفضل كتاب القصة
القصيرة وطنيا و عربيا و عالميا هم أولئك المتمسكون بحبل القصة
القصيرة دائما و أبدا و لا غير .
7 ـ يقول الكاتب المكسيكي خوان رولفو : " ليس
في القصة القصيرة سوى ثلاثة مواضيع أساسية : الموت ، الألم و الحب "
هل توافق وجهة نظره هاته؟
في تقديري الشخصي ( الذي لا يكون في كل المرات متواضعا بالضرورة ! )
، هذا القياس التقريبي لموضوعات القصة القصيرة ينسحب فحسب ـ
بالاستناد إلى منشئه و تكوينه و خصوصية أسلوبه ـ على صاحب " السهل
يحترق " ( المجموعة القصصية الوحيدة لخوان رولفو ) . غير أن " طيف
الاحتمالات القصصية " ـ حسب عبارة روبرت شولز ـ لا حصر له . فالقصة
القصيرة تساعدنا على فهم شتى موضوعات الحياة . و الحياة تمد لنا يد
العون لفهم مختلف أنواع القصص .
لذا ، لا تصدقوا خوان رولفو ! ...