موقع الدكتور محمد زين الدين يرحب بكم
للاتصال روابط إعلانات الطلبة شهادات وصور نبذة عن الكاتب نصوص قانونية محاضرات ندوات مقالات دروس الصفحة الرئيسية

 تأملات أولية في نشأة ومهام مؤسسة ديوان المظالم
بالمغرب الراهن


توطئة
شهدت سنة 2001 تحولا نوعيا في مسار الحقل السياسي المغربي تقوده المؤسسة الملكية بايقاع سياسي جد مرتفع؛ بحيث غطى كافة مناحي الحياة الاجتماعية ؛ الاقتصادية والسياسية لمغرب الألفية الثالثة مترجما قدرة المؤسسة الملكية على مسايرة كافة المتغيرات الوطنية والتحولات الدولية انطلاقا من سعيها الدؤوب لتحقيق اقلاع اقتصادي قوي مرورا بالتحكم الفعلي في العمل الاجتماعي وصولا إلى تحيين جملة من القوانين التي من شأنها تعزيز الترسانة القانونية المغربية إلى جانب خلق وتفعيل العديد من المؤسسات الدستورية . غير أن أبرز حدث سياسي شهدته سنة 2001 يبقى بامتياز هو الاعلان عن إنشاء مؤسسة ديوان المظالم في دجنبر 2001.

ففي أي سياق جاء الاعلان عن خلق هذه المؤسسة؟ وما هي الدلالات الحقوقية والسياسية والانسانية لهذه المؤسسة؟

وبعيدا عن هذه الأسئلة المركزية تبرز أسئلة نوعية يأتي في مقدمتها :
-أي مرجعيات ارتكز عليها الظهير المنظم لعمل هذه المؤسسة: هل اقتصر على الاستناد على المرجعية التقليدية دون المرجعية الحداثية ؟ أم سعى إلى المزاوجة بينهما؟ واذا كان الاحتمال الثاني هو الوارد فما هي تجلياته؟ وما مدى انعكاس هذا التوجه على عمل هذه المؤسسة؟ وكيف يمكننا مقاربة عمل مؤسسة ديوان المظالم مقارنة مع المؤسسات الشبيهة لها بالأنظمة الديمقراطية .

للإجابة على هذه التساؤلات سنخصص المحور الأول للاحاطة بالمرجعيات المتحكمة في خلق مؤسسة ديوان المظالم؛ فيما سنسلط الأضواء في المحور الثاني على السياقين التاريخي والسياسي لبروز هذه المؤسسة في المغرب الراهن لنتناول بالدرس والتحليل في المحور الثالث اختصاصاتها فيما سنفرد المحور الرابع لاجراء مقارنة بين مؤسسة ديوان المظالم والمؤسسات الشبيهة بالأنظمة الديمقراطية المعاصرة.

 القانون الدستــوري
 علم السياســـــة
 الحريات العامــــة
علم الاجتماع الإعلامي
 المدخل لدراسة القانون
  المؤسسات المحلية
المصطلحات القانونية
حقوق الانسان 
منهجية الطالب
تمارين القانون الدستوري
 دراســــــــات
 مقـــــــــالات
 محاضـــــــرات
 امتحانات الطلبة/نتائج الامتحانات
 إعلانات الطلبة
المكتبة القانونية
أعلى الصفحة الحالية

إن انبثاق مؤسسة ديوان المظالم ليست مسألة جديدة كل الجدة عن النظام السياسي المغربي ف" ديوان المظالم ظل حاضرا على امتداد تاريخ هذا البلد؛ حيث نستحضر في هذا الصدد الكتاب القيم لأحد المشرفين على هذه المؤسسة ألا وهو" للظلم تاريخ" لمؤلفه المرحوم مولاي هشام العلوي"(1)
*المحور الأول: السياق السياسي لبروز مؤسسة ديوان المظالم :
برز تجديد الحديث عن مؤسسة ديوان المظالم كمطلب دستوري وسياسي لأحزاب الكتلة حيث سبق وأن تمت المطالبة بخلق هذه المؤسسة في المذكرات الاصلاحية على إثر المراجعة الدستورية لصيف 1992 المقدمة للجلالة المغفور له الملك الحسن الثاني ؛ كما سارت العديد من الفعاليات الجمعوية المهتمة بمجال حقوق الانسان في نفس التوجه؛ " ففي مذكرتها التي رفعتها إلى الوزير الأول سنة 1998 أبرزت الجمعيات المنتمية إلى النسيج الجمعوي لمحاربة الرشوة أهمية الدعم المؤسساتي في تخليق الحياة العامة ومقاومة الشطط في استعمال السلطة ؛وذلك من خلال ايجاد هيئة مستقلة في نطاق بناء نظام وطني للنزاهة لاتخرج عن نموذج مؤسسة الوسيط المتداول لدى مجموعة من الدول الغربية خاصة "(2) وقد تكرس هذا التوجه في التصريحين الحكوميين لحكومة التناوب المقدمين أمام البرلمان.
ومع صعود جلالة الملك محمد السادس إلى عرش اسلافه المنعمين بادر جلالته إلى إرسال إشارات قوية تمهد لإخراج هذه المؤسسة إلى حيز الوجود؛ حيث عكس الخطاب التاريخي بالدارالبيضاء في أكتوبر1999 المتضمن للمفهوم الجديد للسلطة ؛ وكذا الرسالة الملكية حول تخليق المرفق العام بمراكش أبرز مؤشرين على تكريس دولة الحق والقانون.
لقد انبثقت مؤسسة "ديوان المظالم" في ظرفية سياسية جد متميزة ؛ حيث جاء الاعلان عن بروزها بمناسبة ذكرى الاعلان العالمي لحقوق الانسان؛ كما يعكس إلقاء الرسالة الملكية التي تلاها الأمير مولاي رشيد حول خلق هذه المؤسسة في محراب علمي (أكاديمية المملكة المغربية) إضفاء طابعي الاستقلالية والتجرد على مؤسسة ديوان المظالم؛ كما أن في حضور مختلف الفعاليات المهتمة بمجال حقوق الانسان بالمغرب تؤشر إلى إرادة سياسية واضحة في إشراك المجتمع المدني بغية إنجاح عمل هذه المؤسسة؛ مثلما يترجم إخراجها إلى حيز الوجود بواسطة ظهير شريف وليس مرسوما تلك العناية السامية المراد منحها لهذه المؤسسة .
- فما الهدف من وراء إخراج هذه المؤسسة؟

*المحور الثاني: ماذا ينتظر من مؤسسة ديوان المظالم؟
إن قراءة سريعة لمضامين الرسالة الملكية ليوم 9 دجنبر 2001 يقودنا إلى استجلاء ثلاثة أهداف رئيسية من وراء خلق هذا الجهاز أولها استكمال الصرح المؤسساتي في مجال حقوق الانسان؛ بحيث يصب ذلك في اتجاه خلق مصالحة فعلية مع المواطن؛ وثانيها تخفيف الضغط على المجلس الاستشاري لحقوق الانسان؛ وثالثها السعي نحو إعمال فعلي للمفهوم الجديد للسلطة الوارد في الخطاب التاريخي في أكتوبر 1999 فإخراج مؤسسة ديوان المظالم يعتبر حلقة جديدة من حلقات استكمال دولة الحق والقانون ؛ إذ أن الهدف من وراء خلق هذه المؤسسة استكمال الرؤية الجديدة للمؤسسة الملكية لمفهوم السلطة ؛ فإذا كان خطاب البيضاء قد أبرز مفهوما جديدا للسلطة يتمحور حول جعلها في خدمة المواطن فإن إصدار مؤسسة ديوان المظالم جاء ليبلورعمليا المفهوم الجديد السلطة من خلال استكمال حلقة هذا المفهوم والذي أبرزته الرسالة الملكية بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الانسان ليوم 10 دجنبر 2001 حينما أشارت على أن لمؤسسة " ديوان المظالم بعدا آخر ملموسا لمفهومنا للسلطة القائم على جعلها في خدمة المواطن والتنمية وعلى قربها منه والتزامها بضوابط سيادة القانون والانصاف"(3) وفي نفس الاتجاه يصب توجه حكومة التناوب ؛ حيث سبق للوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي أن صرح بأن هذه المؤسسة ستخول لكل مغربي اللجوء إليها كلما كانت مشكلة مع الادارة(4)
وإذا كان من المسلم به أن المغرب فتح ملف حقوق الانسان مع بداية التسعينات؛ وذلك بانشاء المجلس الاستشاري لحقوق الانسان في 8 ماي 1990 وأعقبه إنشاء المحاكم الادارية فإن في خلق مؤسسة ديوان المظالم سيمنح دفعة جديدة لمجال حقوق الانسان؛
وبالرجوع إلى الاختصاصات الواسعة الممنوحة لهذه المؤسسة ؛وكذا كونها مؤسسة حديثة النشأة ستدفع المواطن إلى اللجوء إليها؛حيث ستتيح للمواطن الحق في استرجاع حقوقه المسلوبة ؛ سواء تعلق الأمر بتلك الأحكام القضائية النهائية التي مازالت حبيسة رفوف المحاكم ردحا من الزمن؛ أو تلك التعسفات الادارية التي تطال المواطنين إلى جانب قضايا استغلال النفوذ ؛ الرشوة؛ المحسوبية والزبونية في منح الصفقات العمومية والتوظيفات المشبوهة في الادارة المغربية المبنية على العلاقات الشخصية والحزبية والمغيبة لحق المساواة والكفاءة ..؛ خصوصا أن هناك جيشا عرمرما من الشكاوى تتوصل به الوزارات ؛ فالوزارة الأولى لوحدها توصلت مصلحة الشؤون القانونية والقضائية بعدد كبير من شكاوى المواطنين ذات الصبغة الشخصية ؛ قدرت ب2000 شكاية في الشهر.أما في ما يتعلق بالمظالم فقد توصلت هذه المصلحة ب1000 تظلم؛ أغلبها تتعلق بتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة لفائدة المواطنين ضد الادارات؛ وحسب بعض المصادر فإن أحكاما تعود إلى سنة 1965 لم تنفذ بعد وتستأثروزارتا التجهيز والداخلية بحصة الأسد بالنسبة لجدول عدم تنفيذ الأحكام القضائية "(5)
كما أن مؤسسة ديوان المظالم ستجد نفسها أمام جيش عرمرم من الجرائم الاقتصادية كالنصب وتقديم شيكات بنود رصيد قدر عددها الوزير المكلف بالشؤون العامة للحكومة السيد احمد لحليمي ب85000 قضية معروضة على أنظار القضاء.(6) وإن كان الظهير المنظم لعمل هذه المؤسسة يحضرعليها معالجة القضايا المعروضة على انظار المحاكم ؛غير أنه يمكننا استشراف حجم القضايا التي من الممكن أن تعرض على أنظار هذه المؤسسة مستقبلا إذا ما تأملنا جيدا هذا الرقم…
وبغض النظرعن الأسباب المفضية إلى تواجد هذه الأرقام الضخمة من الشكاوى تطرح تساؤلات حول مدى قدرة مؤسسة ديوان المظالم على تصريف هذا العدد الهائل من الشكاوى باعتبارها الجهاز المعني بمعالجة هذه الشكاوى ؟

*المحور الثالث: الاطار التنظيمي لمؤسسة ديوان المظالم
بالنظر إلى مقتضيات الظهير الشريف رقم 01/1/298 الصادر في 12 دجنبر 2001 المتعلق بإحداث ديوان المظالم نجد جلالة الملك هو الذي يعين والي المظالم لمدة ست سنوات قابلة للتجديد يعهد إليه بممارسة الاختصاصات المسندة لديوان المظالم ؛ ويعتبر والي المظالم بهذه الصفة عضوا ذا صفة تقريرية في المجلس الاستشاري لحقوق الانسان. ويساعد والي المظالم مندوبين له يتولى تعيينهم؛ كما يعين جلالة الملك بديوان المظالم عند الاقتضاء مندوبين مكلفين بتنمية التواصل نتيجة لوجود صعوبات تعترض المواطنين في علاقاتهم مع الادارة.
وباستقراء للظهير المنظم لعمل هذه المؤسسة نلاحظ حضور إشراف مباشر للمؤسسة الملكية يتجلى في كون ميزانية هذه المؤسسة تندرج في إطار ميزانية البلاط الملكي ؛ كما أن والي المظالم ملزم بأن يرفع تقريرا سنويا لجلالة الملك.
وبعيدا عن الجوانب التنظيمية لمؤسسة ديوان المظالم بدأت تبرز تيارات تدعو إلى ضرورة إلغاء وزارة حقوق الانسان وكذا المجلس الاستشاري لحقوق الانسان.
-فإلى أي حد تبدو هذه المطالب منطقية ؟
لقد أحسن المشرع الدستوري المغربي صنعا حينما حافظ على استمرارية المجلس الاستشاري لحقوق الانسان إلى جانب مؤسسة ديوان المظالم لكون هذا المجلس يتيح حضور كافة التيارات السياسية والمدنية المهتمة بمجال حقوق الانسان فيما يتعذر أن تضم مؤسسة الديوان كل هذه التيارات لكون نجاحها يتوقف عن مدى استقلاليتها عن أي تيارات سياسية.
غير أنه في مقابل الابقاء على هذا المجلس نرى بأنه من المجدي إلغاء وزارة حقوق الانسان لكون عملها سيكون مجرد اجترار لاختصاصات مؤسسة ديوان المظالم.
*المحور الثالث: بين مؤسسة ديوان المظالم… ومؤسسة الوسيط :
إن عدم إخراج هذه المؤسسة تحت اسم مؤسسة "الوسيط "أو "المدافع عن الشعب" ليس مسألة شكلية؛ بل إنها تحمل بين طياتها حمولات ذات شحنة قوية تكرس للمشروعية التقليدية ؛ كما يبرزهذا التوجه في الرسالة الملكية بتاريخ 10دجنبر2001 حينما أشار جلالته على أن اختيار هذا النهج جاء نتيجة " استلهام مقاصد شريعتنا السمحة وتقاليدنا الحضارية "(7) الأمر الذي يزكي الطابع المتميز لهذه المؤسسة المحيلة إلى الإرث الخلافي الاسلامي ؛ حيث تشكل إمارة المؤمنين قطب الرحى في النظام السياسي وتنبذ أي شكل من أشكال التجزيئ للسلطة خصوصا تلك الجوانب المتعلقة باحترام حقوق الأفراد والجماعات المندرجة ضمن واجبات الامام نحو رعاياه.
لقد برهنت المؤسسة الملكية على قدرة فائقة في مسايرة ايقاع التحول الذي يعرفه المغرب الراهن ويتجسد هذه القدرة المؤسسة الملكية ليس فقط في صياغة التقليد لتقريبه من متطلبات الحداثة بل جعل الحداثة أداة في خدمة التقليد. وتجسد الرسالة الملكية السالفة الذكر هذا التوجه أفضل تجسيد حيث يحضر المعطى التقليدي إلى جانب المعطى الحداثي ؛ وهذا ما يمكننا أن نستشفه حينما أشار جلالته :" .. إن هذا النهج القائم على استلهام مقاصد شريعتنا السمحة وتقاليدنا الحضارية في ايجاد حلول مغربية لقضايا مغربية لم يمنعنا من الانفتاح على القيام المثلى للتراث الانساني المشترك والافادة مما يعرفه من مؤسسات مماثلة في النظم المعاصرة "(8)
يبقى من المهم جدا أن نشير على ضرورة توفرهذه المؤسسة على الوسائل البشرية المكونة تكوينا يستجيب لطبيعة المهام المسندة لهذه المؤسسة ؛ كما يفترض توفير الوسائل المادية لهذه المؤسسة اجتنابا لأي تأثير محتمل على استقلاليتها وتجردها .
___________________
 الهوامش:
(1)راجع دراستنا" العدالةوالديمقراطية بالمغرب..اية علاقة؟ جريدة الاتحاد الاشتراكي-ع6660-4 نونبر2001
(2) أنظر جريدة الأحداث المغربية- ع1058 بتاريخ13 دجنبر2001 – ص2
(3) نص الرسالة الملكية السامية منشورة بجريدة الاتحاد الاشتراكي- ع:6697- بتاريخ 11 دجنبر 2001.
(4) راجع جريدة الاتحاد الاشتراكي- ع6697- 11 دجنبر 2001 – ص1
(5) جريدة الاتحاد الاشتراكي- المصدر السالف الذكر.
(6) راجع تصريح السيد أحمد لحليمي في برنامج مشاريع بالقناة الأولى بتاريخ 18دجنبر 2001.
(7) راجع نص الرسالة الملكية السالفة الذكر .
(8) المصدر نفسه.

 
 

البريد الإلكتروني : zineddine2006@yahoo.fr